وَلَقَدْ وَرَدَ عَنْ أَهْلِ العِصْمَةِ: إنَّ النَّفْسَ تَشْتَهِي مَا يَضُرُّ الرُّوحَ، وَالرُّوحُ تَشْتَهِي مَا يَضُرُّ النَّفْسَ، وَهٰذَا الإِخْتِبَارُ عَلَى النَّفْسِ لَا عَلَى الرُّوحِ، لأَنَّ الرُّوحَ نُورٌ، وَالنُّورُ لَا يَتَجَزَّأُ بَلْ يَعُودُ كُلٌّ إِلَى أَصْلِهِ وَمَعْدِنِهِ.
وَالشَّاهِدُ مِنْ كِتَابِ "الأَكْوَارِ وَالأَدْوَارِ النَّورَانِيَّةِ": «وَأَمَّا النُّورُ فَهُوَ ذَاتٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يَبْدُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَلَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ عِلَّةُ الإِخْتِبَارِ، فَهِيَ صَفَاءُ ذَاتِهَا بِذَاتِهَا، فَعَادَ بِحَالِ العَوْدِ إِلَى البَدْوِ مِنْ مُكَوِّنِهِ».
وَقَالَ السَّيِّدُ عَبْدُ اللّٰهِ الحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ -قَدَّسَ سِرَّهُ- :
رُدَّتِ الرُّوحُ إِلَى بَارِئِهَا | وَبَقِيَ الهَيْكَلُ فِي التُّرْبِ مُقِيمُ |
يَعْنِي كُلُّ ذِي مَعْدِنٍ رَجَعَ إِلَى مَعْدِنِهِ، فَالرُّوحُ لِلأَعْلَى نَحْوَ السَّمَاءِ وَالجِسْمُ لِلأَرْضِ يَعْنِي التُّرَابَ.
(رُدَّتِ الرُّوحُ إِلَى بَارِئِهَا) عِنْدَ النَّقْلَةِ فَتَرَى بَدَنَهَا الأَوَّلَ الَّذِي كَانَتْ تَلْبَسُهُ مِنْ قَبْلُ، وَهُوَ بَدَنٌ مِنْ نُورٍ، أَلطَفُ مِنَ الظِّلِّيِّ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الإِمْتِحَانُ وَهُوَ يَزْدَادُ شَفَافِيَّةً فِي التَّكْرِيرِ حَتَّى يَعُودَ سَاطِعًا وَيَلْحَقَ إِلَى مَا مِنْهُ بَدَأَ وَلَا يَعُودُ إِلَى التَّكْرِيرِ فِي البَشَرِيَّةِ أَبَدًا، فَعِنْدَ ذٰلِكَ يَرَى هٰذَا البَدَنَ الأَوَّلَ فَيَخْتَارُ النَّقْلَةَ بِإِخْتِيَارِهِ.
ولقد ورد عن أهل العصمة: إن النفس تشتهي ما يضر الروح، والروح تشتهي ما يضر النفس، وهذا الإختبار على النفس لا على الروح، لأن الروح نور، والنور لا يتجزأ بل يعود كل إلى أصله ومعدنه.
والشاهد من كتاب "الأكوار والأدوار النورانية": «وأما النور فهو ذات واحدة لم يبد من حال إلى حال ولا دخلت عليه علة الإختبار، فهي صفاء ذاتها بذاتها، فعاد بحال العود إلى البدو من مكونه».
وقال السيد عبد الله الحسين بن حمدان -قدس سره- :
ردت الروح إلى بارئها | وبقي الهيكل في الترب مقيم |
يعني كل ذي معدن رجع إلى معدنه، فالروح للأعلى نحو السماء والجسم للأرض يعني التراب.
(ردت الروح إلى بارئها) عند النقلة فترى بدنها الأول الذي كانت تلبسه من قبل، وهو بدن من نور، ألطف من الظلي الذي وقع عليه الإمتحان وهو يزداد شفافية في التكرير حتى يعود ساطعا ويلحق إلى ما منه بدأ ولا يعود إلى التكرير في البشرية أبدا، فعند ذلك يرى هذا البدن الأول فيختار النقلة بإختياره.




