مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

رُؤْيَةٌ فِيْ التَّوْحِيْدِ - حَبِيبُ عَبْدُ الله غَانِمٌ

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 94 من 169

وَالمَالِحُ الأُجَاجُ فِي الأَظِلَّةِ وَالأَشْبَاحِ، وَهُمَا العِلْمُ البَاطِنُ العَذْبُ وَالعِلْمُ الظَّاهِرُ، وَهُوَ المِلْحُ الأُجَاجُ الَّذِي فِي أَيْدِي المُخَالِفِينَ.

وَجْهُ فِي الحَقِيقَةِ: المِلْحُ الأُجَاجُ هُوَ جَوْهَرُ العَقْلِ الكُلِّيِّ الَّذِي لَا يُندْرَكُ، وَلَيْسَ لِلْقَائِلِ فِيهِ مَقَالٌ، وَهُوَ الحَدُّ المَجْهُوْلُ، وَالْعَذْبُ الْفُرَاتُ هُوَ وُجُودُ الحَقِّ فِي المَظْهَرَيْنِ نُورًا وَظِلًّا، وَهُوَ الحَدُّ المَعْلُومُ، وَالمَقْصُودُ بِهَذَيْنِ البَحْرَيْنِ عِنْدَ الخَلْقِ البَشَرِيِّ هُمَا النُّفُوسُ الطَّيِّبَةُ وَالنُّفُوسُ الخَبِيثَةُ، وَعِرَاكُهُما فِي هٰذَا البَدَنِ الحِسِّيِّ أَي المِزَاجِ، حَيْثُ قَامَ الصِّرَاعُ بَيْنَهُمَا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمِيلُ إِلَى أَصْلِهِ وَمَعْدِنِهِ الَّذِي كُوِّنَ مِنْهُ، فَالنُّفُوسُ الطَّيِّبَةُ تَمِيلُ كَمَا اِسْتِحْقَاقِهَا مِنَ الرُّوحِ إِلَى الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى مَبْدَئِهَا الأَوَّلِ، وَأَمَّا النُّفُوسُ الشِّرِّيرَةُ فَتَعْمَلُ بِأَعْمَالِ الرَّزَائِلِ وَتَمِيلُ إِلَيْهَا وَتَرْجِعُ إِلَى مَبْدَئِهَا الأَوَّلِ الَّذِي أَصْلُهَا مِنَ النَّارِ وَالشَّكِّ وَالحَيْرَةِ وَهُوَ الجَهْلُ المَذْمُومُ.

وَلَقَدْ أُقِيمَ فِي هٰذَا البَدَنِ الحِسِّيِّ ثَمَانِيَةُ طَبَائِعَ أَرْبَعَةٌ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَهُمْ: نَارٌ، هَوَاءٌ، مَاءٌ، تُرَابٌ، وَأَرْبَعَةٌ مِنْ عَتِيقٍ وَآلِهِ وَهُمْ: الصَّفْرَةُ، وَالسَّوْدَةُ، وَالدَّمُ وَالبَلْغَمُ، وَهُمْ عُيُونُ السُّوءِ لَعَنَهُمُ اللّٰهُ.

وَلَمْ تَكُنْ تِلْكَ الخَطِيئَةُ إِلاَّ مِنْ ضَعْفِ النَّفْسِ الَّتِي هِيَ البَدَنُ لِلرُّوحِ لِقَوْلِ العَالِمِ -عَزَّ عَزُّهُ- : «إِنَّ الرُّوحَ فِي النَّفْسِ، وَالنَّفْسَ فِي الجِسْمِ».

والمالح الأجاج في الأظلة والأشباح، وهما العلم الباطن العذب والعلم الظاهر، وهو الملح الأجاج الذي في أيدي المخالفين.

وجه في الحقيقة: الملح الأجاج هو جوهر العقل الكلي الذي لا يندرك، وليس للقائل فيه مقال، وهو الحد المجهول، والعذب الفرات هو وجود الحق في المظهرين نورا وظلا، وهو الحد المعلوم، والمقصود بهذين البحرين عند الخلق البشري هما النفوس الطيبة والنفوس الخبيثة، وعراكهما في هذا البدن الحسي أي المزاج، حيث قام الصراع بينهما وكل واحد منهما يميل إلى أصله ومعدنه الذي كون منه، فالنفوس الطيبة تميل كما استحقاقها من الروح إلى الأعمال الصالحة حتى ترجع إلى مبدئها الأول، وأما النفوس الشريرة فتعمل بأعمال الرزائل وتميل إليها وترجع إلى مبدئها الأول الذي أصلها من النار والشك والحيرة وهو الجهل المذموم.

ولقد أقيم في هذا البدن الحسي ثمانية طبائع أربعة من محمد وآله وهم: نار، هواء، ماء، تراب، وأربعة من عتيق وآله وهم: الصفرة، والسودة، والدم والبلغم، وهم عيون السوء لعنهم الله.

ولم تكن تلك الخطيئة إلا من ضعف النفس التي هي البدن للروح لقول العالم -عز عزه- : «إن الروح في النفس، والنفس في الجسم».

الصفحة 94 من 169