مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

رُؤْيَةٌ فِيْ التَّوْحِيْدِ - حَبِيبُ عَبْدُ الله غَانِمٌ

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 90 من 169

إِزْدَرَى عَلَيْهِ أَوْ مَارَاهُ أَوْ جَفَاهُ قَطَعَ اللَّهُ عَنْهُ مَوَادَّ حِكْمَتِهِ وَأَنْسَاهُ مَا كَانَ أَيَّدَهُ بِهِ، وَإِنْ هُوَ أَقَامَ مُصِرًّا عَلَى عَدَاوَتِهِ، مَظْهَرًا بُغْضَهُ، وَهُوَ عَالِمٌ بِإِيمَانِهِ، غَيْرُ شَاكٍّ فِي دِيَانَتِهِ، سَلَبَهُ اللَّهُ نُورَ الإِيمَانِ وَأَلْبَسَهُ ثَوْبَ الذُّلِّ وَالهَوَانِ، وَأَحْوَجَهُ إلىْ شِرَارِ خَلْقِهِ، إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى رَبِّهِ وَيَتَنَصَّلَ مِنْ ذَنْبِهِ».

فَتَدَبَّرُوا يَا إِخْوَانِي إِلَى كَلَامِ مَوْلَانَا البَاقِرِ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَرْوَاحَ المُؤْمِنِينَ مِنْ نُورٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِذَلِكَ النُّورِ بِالنُّورَانِيَّةِ، هَذَا مِمَّا يُثْبِتُ مَا أَوْرَدْنَا أَنَّ المُؤْمِنِينَ أَقَرُّوا لَهُ بِالحِجَابِ النُّورَانِيِّ، وَامْتَحَنَهُمْ بِهِ فَأَجَابُوا وَكُلُّ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْصُوا اللَّهَ، وَمِنَ المَعْصِيَةِ وَالجَهْلِ وَالشَّكِّ وَالحَيْرَةِ خُلِقَ إِبْلِيسَ الأَبَالِسَةَ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَإِبْلِيسُ المَلْعُونُ لَيْسَ لَهُ بَدْءٌ فِي النَّشْءِ الأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِهِ نُورًا صَافِيًا، وَنُورَانِيَّتُهُ هِيَ البَشَرِيَّةُ فِي هَذَا المِزَاجِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ذُنُوبِ المُؤْمِنِينَ المَهْبُوطِينَ، فَأَصْبَحَتْ ذُنُوبُ المُؤْمِنِينَ حَسَنَاتُ الكَافِرِينَ...

قَالَ العَالِمُ -عَزَّ عَزُّهُ- عَنْ إِبْلِيسَ «أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي التَّرَاكِيبِ بَاطِنٌ فِي المَعْرِفَةِ» أَيْ بِمَعْنَى ظَاهِرٌ فِي التَّرَاكِيبِ الحِسِّيَّةِ مِثْلُ الصَّفْرَةِ وَالدَّمِ وَالسَّوْدَةِ وَالبَلْغَمِ بَاطِنٌ فِي المَعْرِفَةِ؛ أَيْ بَاطِنٌ عَنْ عَنَاصِرِهِ الضِّدِّيَّةُ الإِبْلِيسِيَّةُ، ظَاهِرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَعْلَمُونَ كَيْفَ كَانَتْ خِلْقَتُهُ، وَهَذِهِ المَعْرِفَةُ بَاطِنَةٌ عَنْهُ وَلَمْ يُعَلِّمْهُ اللَّهُ

إزدرى عليه أو ماراه أو جفاه قطع الله عنه مواد حكمته وأنساه ما كان أيده به، وإن هو أقام مصرا على عداوته، مظهرا بغضه، وهو عالم بإيمانه، غير شاك في ديانته، سلبه الله نور الإيمان وألبسه ثوب الذل والهوان، وأحوجه إلى شرار خلقه، إلى أن يرجع إلى ربه ويتنصل من ذنبه».

فتدبروا يا إخواني إلى كلام مولانا الباقر كيف خلق الله سبحانه وتعالى أرواح المؤمنين من نور واحد، وأنه ظهر لذلك النور بالنورانية، هذا مما يثبت ما أوردنا أن المؤمنين أقروا له بالحجاب النوراني، وامتحنهم به فأجابوا وكل ذلك قبل أن يعصوا الله، ومن المعصية والجهل والشك والحيرة خلق إبليس الأبالسة لعنه الله، وإبليس الملعون ليس له بدء في النشء الأول لأنه ليس به نورا صافيا، ونورانيته هي البشرية في هذا المزاج؛ لأنه من ذنوب المؤمنين المهبوطين، فأصبحت ذنوب المؤمنين حسنات الكافرين...

قال العالم -عز عزه- عن إبليس «أنه ظاهر في التراكيب باطن في المعرفة» أي بمعنى ظاهر في التراكيب الحسية مثل الصفرة والدم والسودة والبلغم باطن في المعرفة؛ أي باطن عن عناصره الضدية الإبليسية، ظاهر للمؤمنين ويعلمون كيف كانت خلقته، وهذه المعرفة باطنة عنه ولم يعلمه الله

الصفحة 90 من 169