وَعِنْدَمَا أَرَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يَمْتَحِنَهُمْ فِي الحِجَابِ البَشَرِيِّ فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي مُهْبِطُكُمْ إِلَى الأَرْضِ السُّفْلَانِيَّةِ فَلَا تَعْصُونَ أَمْرِي وَلَا تُخَالِفُونِ.
فَرَدُّوا عَلَيْهِ وَقَالُوا: لَا تَهْبِطْنَا إِلَى الأَرْضِ وَدَعْنَا هُنَا فِي السَّمَاءِ، وَالسَّمَاءُ هَهُنَا سَمَاءُ العَقْلِ أَيِ عَالَمُ العَقْلِ وَالشَّاهِدُ:
قَوْلُ مَوْلَانَا البَاقِرِ -عَزَّ عَزُّهُ- لِجَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الجُعْفِيِّ "مَجْمَعِ الأَخْبَارِ": إِنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ أَرْوَاحَ المُؤْمِنِينَ مِنْ نُورٍ وَاحِدٍ غَيْرِ مُخْتَلِفٍ وَلَا مُتَغَيِّرٍ، وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِذَلِكَ النُّورِ بِالنُّورَانِيَّةِ وَأَقَرَّ بِهِ وَنَادَاهُ وَنَاجَاهُ فَلَبَّاهُ وَأَمَدَّهُ بِرُوحٍ وَأَيَّدَهُ بِنُورِ الإِيمَانِ فَصَارَ ذَلِكَ النُّورُ رُوحًا رُوحَانِيَّةً صَافِيَةً، وَأَنَّهُ جَلَّ اِسْمُهُ اخْتَارَ لِذَلِكَ النُّورِ بُيُوتًا طَهَّرَهَا وَزَكَّاهَا، وَقُلُوبًا صَفَّاهَا وَجَعَلَهَا لِنُورِهِ بُيُوتًا وَلِإِسْمِهِ مَسَاجِدًا وَلِسِرِّهِ خَزَائِنًا وَلِلْمَعْرِفَةِ بِهِ مَعَالِمًا مِنْهَا يُعْرَفُ، وَعِنْدَهَا يُوجَدُ وَمِنْهَا يُطْلَبُ، أَنْوَارُهَا مُضِيئَةٌ وَجَوَاهِرُهَا عَالِيَةٌ لَا يَشُوبُهَا كَدَرٌ وَلَا يَلْحَقُهَا قَتَرٌ، تَتَوَقَّدُ بِنُورِ الإِيمَانِ وَتَنْظُرُ بِعَيْنِ الرَّحْمَٰنِ لَا يَلْحَقُهَا انْحِلَالٌ وَلَا اضْمِحْلَالٌ، فَإِذَا أَسَرَّ المُؤْمِنُ قَلْبَ أَخِيهِ وَعَامَلَهُ بِمَا يَهْوَاهُ وَقَابَلَهُ بِمَا يَرْضَاهُ وَاتَّصَلَ النُّورُ بِمَا مِنْهُ بَدَا فَشَكَرَتْ وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ وَأَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِ كَمَا اثْنَى عَلَى أَخِيهِ، وَضَمِنَ لَهُمَا أَنْ يَجْزِيَهُمَا الجَزَاءَ الأَوْفَى، وَإِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا هُوَ آذَى أَخَاهُ أَوْ عَامَلَهُ بِمَا لَا يَهْوَاهُ أَوْ قَابَلَهُ بِمَا لَا يُرْضِيهِ أَوْ حَقَّرَهُ أَوْ إِزْدَرَاهُ أَوْ
وعندما أراد الله سبحانه أن يمتحنهم في الحجاب البشري فقال لهم: إني مهبطكم إلى الأرض السفلانية فلا تعصون أمري ولا تخالفون.
فردوا عليه وقالوا: لا تهبطنا إلى الأرض ودعنا هنا في السماء، والسماء ههنا سماء العقل أي عالم العقل والشاهد:
قول مولانا الباقر -عز عزه- لجابر بن يزيد الجعفي "مجمع الأخبار": إنه قال: «إن الله تبارك وتعالى خلق أرواح المؤمنين من نور واحد غير مختلف ولا متغير، وأنه ظهر لذلك النور بالنورانية وأقر به وناداه وناجاه فلباه وأمده بروح وأيده بنور الإيمان فصار ذلك النور روحا روحانية صافية، وأنه جل اسمه اختار لذلك النور بيوتا طهرها وزكاها، وقلوبا صفاها وجعلها لنوره بيوتا ولإسمه مساجدا ولسره خزائنا وللمعرفة به معالما منها يعرف، وعندها يوجد ومنها يطلب، أنوارها مضيئة وجواهرها عالية لا يشوبها كدر ولا يلحقها قتر، تتوقد بنور الإيمان وتنظر بعين الرحمن لا يلحقها انحلال ولا اضمحلال، فإذا أسر المؤمن قلب أخيه وعامله بما يهواه وقابله بما يرضاه واتصل النور بما منه بدا فشكرت وأثنت عليه ملائكة السماء وأثنى الله عليه كما اثنى على أخيه، وضمن لهما أن يجزيهما الجزاء الأوفى، وإن المؤمن إذا هو آذى أخاه أو عامله بما لا يهواه أو قابله بما لا يرضيه أو حقره أو إزدراه أو




