مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

رُؤْيَةٌ فِيْ التَّوْحِيْدِ - حَبِيبُ عَبْدُ الله غَانِمٌ

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 80 من 169

فَقَنْبَرٌ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَخَذَ صِفَةَ مَقَامِ الخِدْمَةِ وَهَذِهِ الخِدْمَةُ هِيَ خِدْمَةُ العَبْدِ لِمَوْلَاهُ فَسُبْحَانَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا إِلَى أَحَدٍ وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَضْرِبُ الأَمْثَالَ مِنْ أَجْلِ الخَلْقِ، فَخِدْمَةُ العَبْدِ إِلَى مَوْلَاهُ هِيَ شَهَادَتُهُ لَهُ بِالشَّهَادَةِ الكُبْرَى حَقًّا وَحَقِيقَةً بِقَوْلِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قَائِمًا بِهَا مُتَعَبِّدًا لِمَعْنَاهُ فِيهَا وَلَا يَقُولُهَا إِلَّا مَنْ كَانَ لَهُ قَدَمُ صِدْقٍ عِنْدَ مَوْلَاهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ﴾(1).

فَكُلُّ مَنْ يَقُولُهَا وَهُوَ عَارِفٌ بِهَا فَهُوَ عَبْدٌ لِلَّهِ وَخَادِمٌ عَلَى سَبِيلِ الطَّاعَةِ وَالعِبَادَةِ لِلَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- ، لِقَوْلِ سَيِّدِنَا عِيسَى -عَزَّ عَزُّهُ- بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾(2).

وَلَوْلَا اللُّطْفُ الإِلَٰهِيُّ وَمُؤَانَسَتِهِ لِلْخَلْقِ بِالصُّورَةِ الأُنْزَعِيَّةِ كَالْخَلْقِ لَمَا عُرِفَ المَخْلُوقُ مِنَ الخَالِقِ، وَجُعِلَ هَذِهِ الصُّورَةُ هِيَ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ لِيَسْتَدِلَّ المَخْلُوقُ عَلَى الخَالِقِ، فَصِفَاتُهُ دَلَّتْ عَلَى ذَاتِهِ، وَالذَّاتُ غَنِيَّةٌ عَنِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.

فقنبر -عليه السلام- أخذ صفة مقام الخدمة وهذه الخدمة هي خدمة العبد لمولاه فسبحان من لم يكن محتاجا إلى أحد ولكنه سبحانه يضرب الأمثال من أجل الخلق، فخدمة العبد إلى مولاه هي شهادته له بالشهادة الكبرى حقا وحقيقة بقوله: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قائما بها متعبدا لمعناه فيها ولا يقولها إلا من كان له قدم صدق عند مولاه، لقوله تعالى: ﴿أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين﴾(1).

فكل من يقولها وهو عارف بها فهو عبد لله وخادم على سبيل الطاعة والعبادة لله -عز وجل- ، لقول سيدنا عيسى -عز عزه- بقوله تعالى: ﴿قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا﴾(2).

ولولا اللطف الإلهي ومؤانسته للخلق بالصورة الأنزعية كالخلق لما عرف المخلوق من الخالق، وجعل هذه الصورة هي الصراط المستقيم ليستدل المخلوق على الخالق، فصفاته دلت على ذاته، والذات غنية عن الأسماء والصفات.

الهوامش

1سورة يونس: 2
2سورة مريم: 30
الصفحة 80 من 169