: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى مِثَالِ صُورَتِهِ»، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ» وَسِرُّ قَوْلِهِ: «كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ» هَذَا قَوْلُ الرَّسُولِ -عَزَّ عَزُّهُ- .
وَلَمَّا كَانَ بَاطِنُ الإِنْسَانِ عَلَى صُورَةِ حَقَائِقِ الأَسْمَاءِ الإِلَهِيَّةِ، مِنْ الحَيَاةِ وَالعِلْمِ وَالإِرَادَةِ وَالقُدْرَةِ وَالسَّمْعِ وَالبَصَرِ وَالكَلَامِ، قَالَ: «كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ» الحَدِيثَ، وَلَوْ كَانَ ظَاهِرُ جِسْمِ الإِنْسَانِ عَلَى صُورَةِ الحَقِّ لَقَالَ: كُنْتُ عَيْنَهُ وَأُذُنَهُ، فَفُرِّقَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ؛ فَصُورَتُهُ الظَّاهِرَةُ مِنْ حَقَائِقِ العِلمِ وَصُورتِهِ البَاطِنَةِ عَلَى صُورَتِهِ تَعَالَى، وَالمُرَادُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ المَعْنَوِيَّةِ، وَهِيَ إِشَارَةٌ إِلَى المُضَاهَاةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، إِلَخْ.
﴿فَكُلُوا۟ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ رَغَدًا﴾(1) فَالْأَكْلُ هُوَ العِلْمُ وَالمَعْرِفَةُ بِحَقَائِقِ تِلْكَ الصُّورَةِ، وَكَيْفِيَّةِ تَرْكِيبِهَا، وَأَصْلِ أَرْكَانِهَا، وَمَعْدَنِ الكَثِيفِ، وَعَلَاقَتِهِ بِاللَّطِيفِ، وَفَلَكِ دَوْرَانِ الطَّبَائِعِ الأَرْبَعِ، وَالأَكْوَانِ السَّبْعَةِ، وَعِلْمِ اِخْتِصَاصِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَحَالِ حَرَكَتِهِ، وَمَعْرِفَةِ سَيْرِهِ وَخُرُوجِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَمَعْنَى كُلِّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، وَمَعْرِفَةِ خَاصِّيَّتِهِ وَصَنْعَتِهِ، وَمَعْرِفَةِ الصَّانِعِ وَالمَصْنُوعِ وَأَقْسَامِ الأَفْلَاكِ وَالبِحَارِ وَالمُحِيطَاتِ، وَمَعْرِفَةِ أَشْخَاصِهَا، وَالسَّاكِنِ وَالمُتَحَرِّكِ، وَعَالَمِ حِسَابِهَا، وَهَنْدَسَةِ عِمْرَانِهَا، وَانْفِجَارِ يَنَابِيعِ المَاءِ مِنْ أَرْضِهَا.
: «إن الله خلق آدم على مثال صورته»، وبين قوله: «من عرف نفسه فقد عرف ربه» وسر قوله: «كنت سمعه وبصره» هذا قول الرسول -عز عزه- .
ولما كان باطن الإنسان على صورة حقائق الأسماء الإلهية، من الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام، قال: «كنت سمعه وبصره» الحديث، ولو كان ظاهر جسم الإنسان على صورة الحق لقال: كنت عينه وأذنه، ففرق بين الصورتين؛ فصورته الظاهرة من حقائق العلم وصورته الباطنة على صورته تعالى، والمراد بهذه الصورة المعنوية، وهي إشارة إلى المضاهاة التي ذكرناها، إلخ.
﴿فكلوا منها حيث شئتم رغدا﴾(1) فالأكل هو العلم والمعرفة بحقائق تلك الصورة، وكيفية تركيبها، وأصل أركانها، ومعدن الكثيف، وعلاقته باللطيف، وفلك دوران الطبائع الأربع، والأكوان السبعة، وعلم اختصاص كل واحد منها، وحال حركته، ومعرفة سيره وخروجه وإرادته، ومعنى كل عضو من أعضائه، ومعرفة خاصيته وصنعته، ومعرفة الصانع والمصنوع وأقسام الأفلاك والبحار والمحيطات، ومعرفة أشخاصها، والساكن والمتحرك، وعالم حسابها، وهندسة عمرانها، وانفجار ينابيع الماء من أرضها.




