المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ:
عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾(1).
أَقُولُ مُتَكِلًا عَلَى اللَّهِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ هِيَ خِطَابٌ مِنْ مُوسَى -عَزَّ عَزُّهُ- لِقَوْمِهِ حِينَ قَالُوا لَهُ: ﴿لَّن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةً﴾(2)، فَكَانَ مِنْ عُقُوبَتِهِمْ مَا قَالَهُ سُبْحَانَهُ عَلَى لِسَانِ مُوسَى -عَزَّ عَزُّهُ- : ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾(3)، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ مُوسَى فِي الآيَةِ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ﴾(4).
نَقُولُ: هُنَا مَقَامُ المَعْرِفَةِ بِتِلْكَ القَرْيَةِ وَبَدْءِ نُشُوئِهَا وَكَيْفِيَّةِ تَكْوِينِهَا وَالقَرْيَةُ إِشَارَةٌ إِلَى الصُّورَةِ الجَامِعَةِ لِصُورَةِ العَالَمِيْنَ الَّذِي خَلَقَهَا اللَّهُ وَقَدَّرَهَا عَلَى مِثَالِ صُورَتِهِ وَهِيَ الصُّورَةُ الإِنْسَانِيَّةُ، وَالشَّاهِدُ قَوْلُ الإِمَامِ عَلِيٍّ -عَزَّ عَزُّهُ- قَالَ: «إِنَّ الصُّورَةَ الإِنْسَانِيَّةَ هِيَ أَكْبَرُ حُجَجِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَهِيَ الكِتَابُ الَّذِي كَتَبَهُ بِيَدِهِ، وَهِيَ الهَيْكَلُ الَّذِي بَنَاهُ بِحِكْمَتِهِ، وَهِيَ مَجْمُوعُ صُوَرِ العَالَمِينَ
المسألة الخامسة:
عن قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين﴾(1).
أقول متكلا على الله: إن هذه الآية هي خطاب من موسى -عز عزه- لقومه حين قالوا له: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾(2)، فكان من عقوبتهم ما قاله سبحانه على لسان موسى -عز عزه- : ﴿فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون * ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون * وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾(3)، ثم قال لهم موسى في الآية: ﴿وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية﴾(4).
نقول: هنا مقام المعرفة بتلك القرية وبدء نشوئها وكيفية تكوينها والقرية إشارة إلى الصورة الجامعة لصورة العالمين الذي خلقها الله وقدرها على مثال صورته وهي الصورة الإنسانية، والشاهد قول الإمام علي -عز عزه- قال: «إن الصورة الإنسانية هي أكبر حجج الله على خلقه، وهي الكتاب الذي كتبه بيده، وهي الهيكل الذي بناه بحكمته، وهي مجموع صور العالمين




