اللَّاحِقَةُ بِهِ، إِذًا فالبَحْرُ الَّذِي دَخَلَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَهُمْ بَنُو يَعْقُوبَ، هُمُ القُوَى الرُّوحَانِيَّةُ، وَهُمْ كَوْنُ الصُّورَةِ البَاطِنَةِ القَائِمَةِ بِالجَوَاهِرِ العَقْلِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ النُّورَانِيَّةِ، وَالبَحْرُ الَّذِي دَخَلَهُ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ هُوَ حُجُبُ النَّفْسِ الأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ، وَهُمْ كَوْنُ الصُّورَةِ الحِسِّيَّةِ المِزَاجِيَّةِ القَائِمَةِ بِالأَكْوَانِ الظَّاهِرَةِ المَحْسُوسَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾(1) فَالنَّاسُ هُمُ البَشَرُ جَمِيعًا، فَأَمَّا عَامَّةُ أَهْلِ التَّوْحِيدِ لَمْ يَفْصِلُوا بَيْنَ المَحْسُوسِ وَبَيْنَ المَعْقُولِ، فَهُنَاكَ آيَاتٌ مَحْسُوسَةٌ وَآيَاتٌ مَعْقُولَةٌ، فَالمَحْسُوسَةُ لَحمِيَّةٌ دَمَوِيَّةٌ تُرَابِيَّةٌ فَانِيةٌ، وَأَمَّا المَعْقُولَةُ فَهِيَ نُورَانِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ مُجَرَّدَةٌ عَنِ الطَّبَائِعِ الحِسِّيَّةِ، لِذَلِكَ الطَّبِيعِيُّونَ يَرَوْنَ عَالَمَ القُدْسِ فِي صُورٍ حِسِّيَّةٍ وَهِيَ هَيُولَى الظَّاهِرِ، وَأَمَّا المُوَحِّدُونَ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ المَعْرِفَةِ لَا يَرَوْنَهُمْ إِلَّا بِالجَوَاهِرِ العَقْلِيَّةِ النُّورَانِيَّةِ فِي السَّابِقِ وَاللَّاحِقِ وَهُمْ مَعَهُمْ وَفِيهِمْ بِحَسَبِ سَيِّدِنَا أَبِي سَعِيدٍ فِي كِتَابِ "الدَّقَائِقِ"، فَعَلَيْكُمْ إِخْوَانِي المُؤْمِنِينَ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ وَمُوَاصَلَةِ إِخْوَانِكُمُ المُؤْمِنِينَ العَارِفِينَ، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.
اللاحقة به، إذا فالبحر الذي دخله بنو إسرائيل، وهم بنو يعقوب، هم القوى الروحانية، وهم كون الصورة الباطنة القائمة بالجواهر العقلية والنفسية النورانية، والبحر الذي دخله فرعون وجنوده هو حجب النفس الأمارة بالسوء، وهم كون الصورة الحسية المزاجية القائمة بالأكوان الظاهرة المحسوسة.
وقوله: ﴿وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون﴾(1) فالناس هم البشر جميعا، فأما عامة أهل التوحيد لم يفصلوا بين المحسوس وبين المعقول، فهناك آيات محسوسة وآيات معقولة، فالمحسوسة لحمية دموية ترابية فانية، وأما المعقولة فهي نورانية عقلية مجردة عن الطبائع الحسية، لذلك الطبيعيون يرون عالم القدس في صور حسية وهي هيولى الظاهر، وأما الموحدون الذين هم أهل المعرفة لا يرونهم إلا بالجواهر العقلية النورانية في السابق واللاحق وهم معهم وفيهم بحسب سيدنا أبي سعيد في كتاب "الدقائق"، فعليكم إخواني المؤمنين بمعرفة الله ومواصلة إخوانكم المؤمنين العارفين، وفوق كل ذي علم عليم.




