يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾(1)، وَقَالَ الإِمَامُ الصَّادِقُ -عَزَّ عَزُّهُ- : «لَمْ يُجِبْهُ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، وَلَكِنْ قَالَ لَهُ: الوَقْتِ المَعْلُوْمِ».
أَقُولُ: إِنَّ يَوْمَ البَعْثِ هُوَ قِيَامُ السَّاعَةِ، وَهِيَ مَعْرِفَةُ الذَّاتِ المَعْنَوِيَّةِ المُجَرَّدَةِ عَنِ الصِّفَاتِ، وَهُوَ اليَوْمُ الَّذِي قَالَ فِيهِ اللَّهُ -جَلَّ وَعَلَا- : ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾(2)، وَهُوَ مَعْرِفَةُ الجَوْهَرِ بِلَا صِفَةٍ، وَأَمَّا اليَوْمُ المَعْلُومُ هُوَ ظُهُورُ القَائِمِ -عَزَّ عَزُّهُ- القَائِمِ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ، وَهِيَ الأَيَّامُ وَالشُّهُورُ وَالأَعْوَامُ المُتَدَاوَلَةُ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ حَيْثُ الأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ.
فَكَانَ نَجَاتُهُ بِبَدَنِهِ، وَهِيَ السَّيِّئَاتُ وَالذُّنُوبُ الَّتِي صَدَرَتْ عَنِ المُؤْمِنِينَ المَهْبُوْطِيْنَ، فَأَصْبَحَتْ هَذِهِ السَّيِّئَاتُ حَسَنَاتٍ لَهُ، وَهِيَ هَذِهِ الصُّورَةُ الإِنْسَانِيَّةُ المِزَاجِيَّةُ الَّذِي شَاكَلَ المُؤْمِنَ بِهَا، وَهِيَ جَنَّتُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا البَدَنَ هُوَ الدُّنْيَا الَّذِي غَرِقَ الكَافِرُونَ فِي بَحْرِهَا، وَنَجَّا بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْهَا، وَبَنُو إِسْرَائِيلَ هُمْ بَنُو يَعْقُوبَ، وَبَنُو إِبْرَاهِيمَ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَحَسَبٍ، وَنَجَاتُهُمْ مِنْهَا لِأَنَّهَا هِيَ السِّجْنُ المعَبَّرُ عَنْهُ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -عَزَّ عَزُّهُ- : «الدُّنْيَا جَنَّةُ الكَافِرِ وَسِجْنُ المُؤْمِنِ»، فَهَذَا البَحْرُ غَرِقَ فِيهِ جَمِيعُ العَنَاصِرِ الضِّدِّيَّةِ، وَهُوَ بَحْرُ الدَّمِ وَغَلَيَانُهُ فِي الشَّرِّ وَالأَذَى وَشَهَوَاتِ النَّفْسِ وَمَتَاعِ الدُّنْيَا، وَنَجَاةُ الكَافِرِ فِي الصُّورَةِ
يبعثون * قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم﴾(1)، وقال الإمام الصادق -عز عزه- : «لم يجبه إلى يوم يبعثون، ولكن قال له: الوقت المعلوم».
أقول: إن يوم البعث هو قيام الساعة، وهي معرفة الذات المعنوية المجردة عن الصفات، وهو اليوم الذي قال فيه الله -جل وعلا- : ﴿وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون﴾(2)، وهو معرفة الجوهر بلا صفة، وأما اليوم المعلوم هو ظهور القائم -عز عزه- القائم على كل نفس، وهي الأيام والشهور والأعوام المتداولة بين الناس من حيث الأسماء والصفات.
فكان نجاته ببدنه، وهي السيئات والذنوب التي صدرت عن المؤمنين المهبوطين، فأصبحت هذه السيئات حسنات له، وهي هذه الصورة الإنسانية المزاجية الذي شاكل المؤمن بها، وهي جنته؛ لأن هذا البدن هو الدنيا الذي غرق الكافرون في بحرها، ونجا بنو إسرائيل منها، وبنو إسرائيل هم بنو يعقوب، وبنو إبراهيم من الأنبياء وحسب، ونجاتهم منها لأنها هي السجن المعبر عنه في قول رسول الله -عز عزه- : «الدنيا جنة الكافر وسجن المؤمن»، فهذا البحر غرق فيه جميع العناصر الضدية، وهو بحر الدم وغليانه في الشر والأذى وشهوات النفس ومتاع الدنيا، ونجاة الكافر في الصورة




