مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

رُؤْيَةٌ فِيْ التَّوْحِيْدِ - حَبِيبُ عَبْدُ الله غَانِمٌ

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 63 من 169

الأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ لِلنَّفْسِ، فاتَّبَعُوا بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ هُمُ القُوَى القُدْسِيَّةُ لِلنَّفْسِ المُطْمَئِنَّةِ، حَتَّى لَاذَتْ إِلَى بَحْرِ اللَّطِيفِ، وَهُوَ عَالَمُ العَقْلِ، وَهُوَ بَحْرُ الظُّلُمَاتِ الَّذِي هُوَ مَفَاتِيحُ الغَيْبِ الَّذِي تَغِيبُ فِيهِ وَمَعَهُ جَمِيعُ الأَنْوَارِ.

﴿حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ أَيْ هُوَ إِغْرَاقُهُ فِي بَحْرِ الجَهْلِ وَالشَّكِّ وَالكِبْرِ وَالحَيْرَةِ، وَعِنْدَ وُصُولِهِ إِلَى شَاطِئِ بَحْرِهِ تَوَهَّمَ وَسَارَ فِي بَحْرِ الوَهْمِ، وَهُوَ بَحْرُ الدَّمِ المَذْمُومِ الَّذِي مُسِخَ هُوَ وَعَنَاصِرَهُ فِيهِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ، وَهَذَا البَحْرُ الَّذِي دَخَلَهُ هُوَ بَحْرُ الإِنْكَارِ، وَأَمَّا الَّذِي دَخَلَهُ مُوسَى -عَزَّ عَزُّهُ- وَبَنُو إِسْرَائِيلَ هُوَ بَحْرُ الإِقْرَارِ، وَكِلَاهُمَا مِنْ كَوْنِ الصُّورَةِ فِي الخَلْقِ، وَقَوْلُهُ عِنْدَمَا أَدْرَكَهُ الغَرَقُ، وَهُوَ عَارِفٌ بِأَنَّهُ شَرٌّ كُلُّهُ، وَهُوَ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ لِيُضِلَّ مَنْ يَلْحَقُ بِهِ وَيَتَبَرَّأَ مِنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾(1).

فَقَالَ: ﴿آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾(2) وَهُنَا إِيمَانُهُ لَيْسَ عَنْ سَبْقِ إِجَابَةٍ، وَلَكِنْ كَانَ خَوْفًا وَجَزَعًا مِنَ اللَّهِ، وَاجْتِرَاءِهُ عَلَى اللَّهِ بِتَسْمِيَتِهِ عِنْدَمَا قَالَ لِأَصْحَابِهِ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾(3)

الأمارة بالسوء للنفس، فاتبعوا بني إسرائيل الذين هم القوى القدسية للنفس المطمئنة، حتى لاذت إلى بحر اللطيف، وهو عالم العقل، وهو بحر الظلمات الذي هو مفاتيح الغيب الذي تغيب فيه ومعه جميع الأنوار.

﴿حتى إذا أدركه الغرق﴾ أي هو إغراقه في بحر الجهل والشك والكبر والحيرة، وعند وصوله إلى شاطئ بحره توهم وسار في بحر الوهم، وهو بحر الدم المذموم الذي مسخ هو وعناصره فيه ولم يخرج منه، وهذا البحر الذي دخله هو بحر الإنكار، وأما الذي دخله موسى -عز عزه- وبنو إسرائيل هو بحر الإقرار، وكلاهما من كون الصورة في الخلق، وقوله عندما أدركه الغرق، وهو عارف بأنه شر كله، وهو إبليس لعنه الله ليضل من يلحق به ويتبرأ منه بقوله تعالى: ﴿كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين * فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين﴾(1).

فقال: ﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين﴾(2) وهنا إيمانه ليس عن سبق إجابة، ولكن كان خوفا وجزعا من الله، واجتراءه على الله بتسميته عندما قال لأصحابه: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾(3)

الهوامش

1سورة الحشر: 16-17
2سورة يونس: 90
3سورة النازعات: 24
الصفحة 63 من 169