مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

رُؤْيَةٌ فِيْ التَّوْحِيْدِ - حَبِيبُ عَبْدُ الله غَانِمٌ

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 61 من 169

المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ:

﴿۞ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾(1).

الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ القُرْآنَ لَنَا دَلِيلًا وَهِدَايَةً لِمَعْرِفَةِ اللَّهِ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى، وَإِشَارَةً لِمَعْنَاهُ، وَمَوَاقِعَ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، فَمَنِ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِآيَاتِهِ وَصَدَّقَ بِمَعَاجِزَاتِهِ، فَأُولَئِكَ هُمُ القَوْمُ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾(2).

فَعِنْدَ أَهْلِ التَّوْحِيدِ مَعْنَى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿۞ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾(3) هُوَ العُبُورُ وَالسَّيْرُ مِنْ أَرْضِ النَّفْسِ إِلَى نُورِ العَقْلِ، وَالبَحْرُ هُوَ بَحْرُ الصِّفَاتِ، وَسَارُوا بِهَا حَتَّى قَطَعُوا تِلْكَ الصِّفَاتِ وَوَصَلُوا إلى حَقِيقَةِ مَعْنَاهَا، وَبَنُو إِسْرَائِيلَ هُمْ أُسَرَاءُ اللَّهِ، وَهُوَ عَالَمُ العَقْلِ المُجَرَّدِ عِنْدَ الخَلْقِ، وَهُمْ عَالَمُ الأَمْرِ، وَسَيْرُهَا فِي ظُلُمَاتِ البَحْرِ وَفَيْضُهَا عَلَى الخَلْقِ، وَلَقَدْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ بَحْرُ الظُّلُمَاتِ الَّذِي دَخَلَهُ سَيِّدُنَا الإِسْكَنْدَرُ، وَسُمِّيَ بَحْرَ

المسألة الثالثة:

﴿۞ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين * آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين * فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون﴾(1).

الحمد لله الذي جعل القرآن لنا دليلا وهداية لمعرفة الله لما يحب ويرضى، وإشارة لمعناه، ومواقع أسمائه وصفاته، فمن استدل عليه بآياته وصدق بمعاجزاته، فأولئك هم القوم الذين قالوا: ﴿ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون﴾(2).

فعند أهل التوحيد معنى هذه الآية الكريمة بقوله: ﴿۞ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر﴾(3) هو العبور والسير من أرض النفس إلى نور العقل، والبحر هو بحر الصفات، وساروا بها حتى قطعوا تلك الصفات ووصلوا إلى حقيقة معناها، وبنو إسرائيل هم أسراء الله، وهو عالم العقل المجرد عند الخلق، وهم عالم الأمر، وسيرها في ظلمات البحر وفيضها على الخلق، ولقد أطلق عليه في القرآن الكريم بحر الظلمات الذي دخله سيدنا الإسكندر، وسمي بحر

الهوامش

1سورة يونس: ٩٠-٩٢
2سورة فصلت: 30
3سورة يونس: 90
الصفحة 61 من 169