وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ﴾(1) فَأَطْرَافُ النَّهَارِ هُوَ غَايَةُ مَا يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْ الفَيْضِ الإِلَهِيِّ وَالإِشْرَاقِ الدَّائِمِ بِدَوَامِ مُبْدِيهِ، وَغَايَةُ تَجَلِّيهِ، فَالمُتَجَلِّي بِالرُّؤْيَتَيْنِ وَالصُّورَتَيْنِ لِعَالَمِ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَاحِدٌ، وَالأَطْرَافُ طَرَفٌ وَاحِدٌ وَهُوَ المَثَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾(2)، وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ﴾(3)، لِأَنَّ طَرَفَيِ النَّهَارِ هُمَا الظُّهُورَيْنِ، وَأَمَّا النَّهَارُ فَهُوَ رَمْزٌ لِلذَّاتِ لِأَنَّهَا لَمْ تَغِبْ، وَزُلْفًا مِنَ اللَّيْلِ فَهُوَ بَرْزَخِيَّةُ المَحْوِ وَالإِثْبَاتِ.
﴿لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ﴾(4) لِتَشْخَصَ بِمَا أَنْعَمْتُ عَلَيْكَ مِنَ اللَّطَائِفِ الإِلَهِيَّةِ وَالمَعْنَوِيَّةِ، ذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ الكَوْنِ لِأَجْلِكَ، وَأَنْتَ خَلَقْتُكَ لِأَجْلِي، وَالقَوْلُ فِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: «يَا بَنِي آدَمَ خَلَقْتُ الدُّنْيَا لِأَجْلِكَ، وَخَلَقْتُكَ لِأَجْلِي»، فَهَذَا مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْنَا، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.
وقوله: ﴿وأطراف النهار لعلك ترضى﴾(1) فأطراف النهار هو غاية ما يصل إليك من الفيض الإلهي والإشراق الدائم بدوام مبديه، وغاية تجليه، فالمتجلي بالرؤيتين والصورتين لعالم الأرض والسماء واحد، والأطراف طرف واحد وهو المثل لقوله تعالى: ﴿وله المثل الأعلى في السماوات والأرض﴾(2)، وقال في آية أخرى: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل﴾(3)، لأن طرفي النهار هما الظهورين، وأما النهار فهو رمز للذات لأنها لم تغب، وزلفا من الليل فهو برزخية المحو والإثبات.
﴿لعلك ترضى﴾(4) لتشخص بما أنعمت عليك من اللطائف الإلهية والمعنوية، ذلك أن جميع الكون لأجلك، وأنت خلقتك لأجلي، والقول في الحديث القدسي: «يا بني آدم خلقت الدنيا لأجلك، وخلقتك لأجلي»، فهذا ما أنعم الله علينا، وفوق كل ذي علم عليم.




