مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

رُؤْيَةٌ فِيْ التَّوْحِيْدِ - حَبِيبُ عَبْدُ الله غَانِمٌ

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 59 من 169

وَمَعْنَى «يَا هُوَ» ضَمِيرٌ لِلْغَائِبِ، فَالغَائِبُ أَيْ غَيْبَةُ الذَّاتِ، وَبِدُونِ غَيْبَةٍ عَنِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، فَالظَّاهِرُ بِالصِّفَةِ هُوَ المُنَزَّهُ عَنِ الصِّفَةِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾(1) فَآنَاءُ اللَّيْلِ بِفِقْهِ اللُّغَةِ هِيَ مَفَاتِيحُ انْحِنَاءِ اللَّيْلِ، وَأَمَّا حَقِيقَةُ اللَّيْلِ فَهِيَ هُنَا ذَاتُ الغَيْبِ المَشْهُودِ المَعَايَنِ فِي التَّجَلِّي وَالظُّهُورِ، لِأَنَّهُ ظَهَرَ مِنْ حَيْثِهِ فَرَأَيْنَاهُ مِنْ حَيْثُنَا نَحْنُ الخَلْقَ، وَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ مِنْ حِسَابِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّهَا إِذَا غَرَبَتْ قِيلَ لَيْلٌ، وَإِذَا ظَهَرَتْ قِيلَ نَهَارٌ، وَهُمْ مِنْ أَجْلِ الزَّمَانِ إِلَى المَكَانِ لِيَصِحَّ الحِسَابُ فِي الأَيَّامِ وَالشُّهُورِ وَالأَعْوَامِ، وَكُلُّهُ مِنْ أَجْلِ الخَلْقِ، وَأَمَّا لَيْلُ الحَقِّ فَلَيْسَ هُوَ مِثْلَ هَذِهِ اللَّيَالِي الَّتِي نَنْظُرُهَا، وَإِنَّمَا هُوَ رَمْزُ حَدِّ البُطُونِ الَّذِي لَيْسَ لِلْقَائِلِ فِيهِ مَقَالٌ.

وَأَمَّا عِنْدَ المَخْلُوقِ فَلَيْلُهُ كُلُّ مَا غَابَ عَنْهُ مِنَ العِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ وَمَا تُكِنُّ بِهِ الصُّدُورُ، وَمَعْرِفَةُ الغَيْبِ مَمْنُوعَةُ الإِدْرَاكِ عِنْدَ المَخْلُوقِ، وَقَالَ سَيِّدُنَا الجُنَيْدُ السَّائِحُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- : «القَلْبُ غَيْبٌ، وَالرَّبُّ غَيْبٌ، فَاطَّلَعَ الغَيْبُ عَلَى الغَيْبِ فَكَانَ اِطّلَاعُهُ نُزُولًا لَا حُلُولًا»، فَالغَيْبُ رَمْزُ اللَّيْلِ المَعْنَوِيِّ عِنْدَ الخَالِقِ وَالمَخْلُوقِ فَسَبِّحِ المُتَجَلِّيَ الظَّاهِرَ فِي ذَلِكَ اللَّيْلِ بِالسَّبْحَلَةِ وَالقَدْسَلَةِ وَالحَوْقَلَةِ مِنْ غَيْرِ تَوَهُّمٍ وَلَا إِدْرَاكٍ.

ومعنى «يا هو» ضمير للغائب، فالغائب أي غيبة الذات، وبدون غيبة عن الأسماء والصفات، فالظاهر بالصفة هو المنزه عن الصفة.

وقوله: ﴿ومن آناء الليل﴾(1) فآناء الليل بفقه اللغة هي مفاتيح انحناء الليل، وأما حقيقة الليل فهي هنا ذات الغيب المشهود المعاين في التجلي والظهور، لأنه ظهر من حيثه فرأيناه من حيثنا نحن الخلق، والليل والنهار من حساب الشمس؛ لأنها إذا غربت قيل ليل، وإذا ظهرت قيل نهار، وهم من أجل الزمان إلى المكان ليصح الحساب في الأيام والشهور والأعوام، وكله من أجل الخلق، وأما ليل الحق فليس هو مثل هذه الليالي التي ننظرها، وإنما هو رمز حد البطون الذي ليس للقائل فيه مقال.

وأما عند المخلوق فليله كل ما غاب عنه من العلم والمعرفة وما تكن به الصدور، ومعرفة الغيب ممنوعة الإدراك عند المخلوق، وقال سيدنا الجنيد السائح -عليه السلام- : «القلب غيب، والرب غيب، فاطلع الغيب على الغيب فكان اطلاعه نزولا لا حلولا»، فالغيب رمز الليل المعنوي عند الخالق والمخلوق فسبح المتجلي الظاهر في ذلك الليل بالسبحلة والقدسلة والحوقلة من غير توهم ولا إدراك.

الهوامش

1سورة طه: 130
الصفحة 59 من 169