فَالمُؤْمِنُ العَارِفُ يُسَبِّحُ بَحْمَدِ رَبِّهِ قَبْلَ اِطّلَاعِهِ عَلَى العُلُومِ التَّوْحِيدِيَّةِ، لِأَنَّ شَمْسَ الحَقِّ مُشْرِقَةٌ عَلَيْهِ مُذْ خَلَقَهُ اللَّهُ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِهَا، وَهِيَ كَانَتْ مَعَهُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ كَمِثَالِ صُورَتِهِ، وَأَمَّا عَلَى سَبِيلِ الطَّرِيقَةِ وَالاِسْتِدْلَالِ لَا بُدَّ مِنْ مُعَلِّمٍ يَفْتَحُ أَبْوَابَ النِّعْمَةِ الدَّائِمَةِ وَالتَّذْكِيرِ عَلَى مَا تَعَارَفَا عَلَيْهِ فِي الذَّرْوِ الأَوَّلِ وَالعَهْدِ وَالمِيثَاقِ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِمْ، فَيَقُولُ المُنْعِمُ عَلَى صَاحِبِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾(1).
فَالْأَمْوَالُ هِيَ مَعَهُ، وَلَكِنْ لَهَا مَفَاتِيحُ لِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿۞ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾(2)، وَأَنْتَ أَيُّهَا المُؤْمِنُ لَكَ أَيْضًا مَفَاتِيحُ غَيْبِكَ وَإِنْ لَمْ تَشْرُقْ عَلَيْكَ شَمْسُ الحَقِّ فَتَبْقَى بِجَهْلِ عَدَمِ مَعْرِفَةِ نَفْسِكَ وَمَعْرِفَةِ رَبِّكَ، فَيَا طُوبَى لِمَنْ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الحِكْمَةِ وَالنِّعْمَةِ الدَّائِمَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾(3)، بِمَعْنَى بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ فَحَدِّثْ مُسْتَحِقِّيْهَا، وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾(4) أَيْ بِمَعْنَى قَبْلَ غُرُوبِ تِلْكَ المَعَارِفِ وَالعُلُومِ الَّتِي فُتِحَتْ لَكَ أَيُّهَا المُوَحِّدُ، وَإِثْبَاتِكَ وَصَبْرِكَ عَلَى هَذَا الاِمْتِحَانِ وَشِدَّةِ جَلَادَتِكَ وَقَضَاءِكَ عَلَى الخُطُوطِ الوَهْمِيَّةِ الخَيَالِيَّةِ الفَانِيَةِ، وَإِغْرَابِهَا تَحْتَ بَوَارِقِ الأَنْوَارِ وَالجَوَاهِرِ العَقْلِيَّةِ المُشَعْشَعَةِ فِي قَنَادِيْلِ الإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ
فالمؤمن العارف يسبح بحمد ربه قبل اطلاعه على العلوم التوحيدية، لأن شمس الحق مشرقة عليه مذ خلقه الله، فهو مؤمن بها، وهي كانت معه في الصورة التي خلقها الله كمثال صورته، وأما على سبيل الطريقة والاستدلال لا بد من معلم يفتح أبواب النعمة الدائمة والتذكير على ما تعارفا عليه في الذرو الأول والعهد والميثاق الذي جرى عليهم، فيقول المنعم على صاحبه بقوله تعالى: ﴿فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾(1).
فالأموال هي معه، ولكن لها مفاتيح لذلك قال الله تعالى: ﴿۞ وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾(2)، وأنت أيها المؤمن لك أيضا مفاتيح غيبك وإن لم تشرق عليك شمس الحق فتبقى بجهل عدم معرفة نفسك ومعرفة ربك، فيا طوبى لمن فتحت له أبواب الحكمة والنعمة الدائمة لقوله تعالى: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾(3)، بمعنى بما أنعم الله عليك من معرفته فحدث مستحقيها، وقوله: ﴿وقبل غروبها﴾(4) أي بمعنى قبل غروب تلك المعارف والعلوم التي فتحت لك أيها الموحد، وإثباتك وصبرك على هذا الامتحان وشدة جلادتك وقضاءك على الخطوط الوهمية الخيالية الفانية، وإغرابها تحت بوارق الأنوار والجواهر العقلية المشعشعة في قناديل الإيمان والتصديق




