مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

رُؤْيَةٌ فِيْ التَّوْحِيْدِ - حَبِيبُ عَبْدُ الله غَانِمٌ

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 56 من 169

﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾(1) أَيْ قَبْلَ ظُهُورِ شَمْسِ الحَقِّ لَكَ، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ وَمُؤْنِسَتُهَا لِلْخَلْقِ، فَسَبِّحْهَا قَبْلَ الخَلْقِ وَمَعَ الخَلْقِ؛ أَيْ بِمَعْنَى قَبْلَ الخَلْقِ بِلَا حِجَابٍ وَمَعَ الخَلْقِ بِحِجَابٍ، ثُمَّ لَا حِجَابَ، وَهَذَا قَوْلُ العَالِمِ -عَزَّ عَزُّهُ- ، وَهِيَ لَمْ تَزَلْ عَنْ الكِيَانِ وَإِنْ ظَهَرَتْ لِلْعِيَانِ، وَقَبْلَ طُلُوعِهَا لِلْخَلْقِ لَمْ يَعْلَمْ مَا هِيَ إلّا هِيَ، وَلَمَّا أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ الكُلِّيَّةُ عَلَى شَمْسِ الخَلْقِ أَضَاءَتْ وَاشْمَعَلَّتْ بِالقُوَّةِ الذَّاتِيَّةِ المُمِدَّةِ لَهَا قَبْلَ إِصْدَارِهَا إِلَى الفِعْلِ، فَوَقَعَتْ أَسْمَاءُ التَّعْرِيفِ لِحَاجَةِ الخَلْقِ إِلَيْهَا، ثُمَّ لِيَدْعُوا خَالِقَهُمْ بِهَا وَهِيَ لِحَاجَتِهِمْ، لِقَوْلِ السَّائِلِ لِلْعَالِمِ: «كَيْفَ صَارَتْ لَهُ صُورَةٌ؟ قَالَ: لِحَاجَةِ المَخْلُوقِينَ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا كَلَامَ إِلَّا مِنَ الصُّورَةِ»، وَهَذِهِ الأَسْمَاءُ الذَّاتِيَّةُ مِنْ الهَاءِ إِلَى العَيْنِ، هِيَ كُلِّيَّاتٌ مَعْنَوِيَّةٌ لَيسَتْ كَغَيرِها مِنَ الأَسْمَاءِ، لِقَوْلِ السَّيِّدِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ:

«أَسْمَاءٌ سَبْعٌ تُسَمَّى

مُسَمِّيًا لَا مُسَمًّى»

فَهَذِهِ الأَسْمَاءُ السَّبْعَةُ لَمْ يَتَسَمَّ بِهَا غَيْرُهُ، بَنُونَ العَظَمَةِ وَجَلَالَةِ الكِبْرِيَاءِ، وَأَمَّا مَا يَجِبُ عَلَى الخَلْقِ بِأَنْ لَا يَتَّهِمَ البَارِيَ بِشَيْءٍ لَيْسَ لَهُ، لِقَوْلِ الإِمَامِ فِي النَّهْجِ عِنْدَمَا سُئِلَ عَنِ التَّوْحِيدِ وَالعَدْلِ فَقَالَ: «التَّوْحِيدُ أَنْ لَا تَتَوَهَّمَهُ وَالعَدْلُ أَنْ لَا تَتَّهِمَهُ».

﴿قبل طلوع الشمس﴾(1) أي قبل ظهور شمس الحق لك، وهي ظاهرة ومؤنستها للخلق، فسبحها قبل الخلق ومع الخلق؛ أي بمعنى قبل الخلق بلا حجاب ومع الخلق بحجاب، ثم لا حجاب، وهذا قول العالم -عز عزه- ، وهي لم تزل عن الكيان وإن ظهرت للعيان، وقبل طلوعها للخلق لم يعلم ما هي إلا هي، ولما أشرقت الشمس الكلية على شمس الخلق أضاءت واشمعلت بالقوة الذاتية الممدة لها قبل إصدارها إلى الفعل، فوقعت أسماء التعريف لحاجة الخلق إليها، ثم ليدعوا خالقهم بها وهي لحاجتهم، لقول السائل للعالم: «كيف صارت له صورة؟ قال: لحاجة المخلوقين إليها؛ لأنه لا كلام إلا من الصورة»، وهذه الأسماء الذاتية من الهاء إلى العين، هي كليات معنوية ليست كغيرها من الأسماء، لقول السيد أبي عبد الله:

«أسماء سبع تسمى

مسميا لا مسمى»

فهذه الأسماء السبعة لم يتسم بها غيره، بنون العظمة وجلالة الكبرياء، وأما ما يجب على الخلق بأن لا يتهم الباري بشيء ليس له، لقول الإمام في النهج عندما سئل عن التوحيد والعدل فقال: «التوحيد أن لا تتوهمه والعدل أن لا تتهمه».

الهوامش

1سورة طه: 130
الصفحة 56 من 169