وَقَالَ السَّيِّدُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي الرِّسَالَةِ: «فذِكْرُهُ لِلْبَصَرِ» يُبْطِلُ قَوْلَكُمْ أَنَّهُ رَآهُ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَرَهُ بِعَيْنِهِ، وَإِذَا رَآهُ بِعَيْنِهِ فَإِنَّ البَصَرُ لَمْ يَطْغَ أَيْ لَمْ يَتَجَاوَزْ بَصَرَ الرُّؤْيَةِ إِلَى نَظَرِ الرُّؤْيَةِ الَّذِي نَفَاهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَن تَرَانِي﴾(1) حَيْثُ بَصَرُ العَيْنِ مُسْتَمِدٌ مِنْ بَصِيرَةِ الفُؤَادِ المَعْنَوِيِّ، وَأَمّا نَظَرُ العَيْنِ فَهُوَ مِنَ الحَوَاسِّ.
﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ﴾(2) وَهُوَ مَقَامُ الظُّهُورِ التَّامِّ وَمُشَاهَدَةِ العَبْدِ عَلَى قَدْرِهِ وَمَنْزِلَتِهِ، فَالآيَةُ لطِيفَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، وَصِفَاتُ الآيَاتِ جَمِيعُهَا مَعْنَوِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ، لِأَنَّ المُتَجَلِّيَ فِيهَا حَكِيمُ الحُكَمَاءِ وَعَالِمُ العُلَمَاءِ وَهُوَ رَبُّ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، فَذَلِكَ النَّجْمُ البَارِقُ سَطَعَ نُورُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَاخْتُصَّ بِنُورِهِ عَالَمَ الإِقْرَارِ، وَجَعَلَهُ مُسْتَقَرًّا عِنْدَهُمْ، وَمَقَرُّ دَعْوَةِ الحَقِّ، فَكَانَ الإِنْسَانُ مَجْمَعَ العَذْبِ الفُرَاتِ وَالمِلْحِ الأُجَاجِ، وَهَذَا الشَّيْءُ هُوَ صِرَاطُ الطَّبِيعَةِ المُرَكَّبَةِ الكَوْنِيَّةِ بَعْنَاصِرِهَا الأَرْبَعِ (نَارٌ – هَوَاءٌ – مَاءٌ – تُرَابٌ)، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾(3).
وَأَقُولُ أَخِيرًا: إِنَّ هَذَا النِّدَاءَ جَرَى فِي ثَمَانِي عَشْرَةَ آيَةً بِإِزَاءِ ثَمَانِيَةِ عَشْرِ مَقَام، ذَلِكَ لِلمُوَحِّدِ العَارِفِ، وَإِلَيْكَ يَا أَخِي المُؤْمِنَ العَارِفَ هَذَا الخَبَرَ مِنْ كِتَابِ "الأَكْوَارِ وَالأَدْوَارِ النُّورَانِيَّةِ" لِلسَّيِّدِ أَبُو شُعَيْبٍ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ إلى مُحَمَّدِ
وقال السيد أبي عبد الله في الرسالة: «فذكره للبصر» يبطل قولكم أنه رآه بقلبه ولم يره بعينه، وإذا رآه بعينه فإن البصر لم يطغ أي لم يتجاوز بصر الرؤية إلى نظر الرؤية الذي نفاه بقوله تعالى: ﴿لن تراني﴾(1) حيث بصر العين مستمد من بصيرة الفؤاد المعنوي، وأما نظر العين فهو من الحواس.
﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾(2) وهو مقام الظهور التام ومشاهدة العبد على قدره ومنزلته، فالآية لطيفة معنوية، وصفات الآيات جميعها معنوية كلية، لأن المتجلي فيها حكيم الحكماء وعالم العلماء وهو رب الأرض والسماء، فذلك النجم البارق سطع نوره في كل مكان، فمنهم شقي وسعيد فاختص بنوره عالم الإقرار، وجعله مستقرا عندهم، ومقر دعوة الحق، فكان الإنسان مجمع العذب الفرات والملح الأجاج، وهذا الشيء هو صراط الطبيعة المركبة الكونية بعناصرها الأربع (نار – هواء – ماء – تراب)، ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾(3).
وأقول أخيرا: إن هذا النداء جرى في ثماني عشرة آية بإزاء ثمانية عشر مقام، ذلك للموحد العارف، وإليك يا أخي المؤمن العارف هذا الخبر من كتاب "الأكوار والأدوار النورانية" للسيد أبو شعيب محمد بن نصير إلى محمد




