مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

رُؤْيَةٌ فِيْ التَّوْحِيْدِ - حَبِيبُ عَبْدُ الله غَانِمٌ

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 50 من 169

﴿عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ﴾(1) فَهُنَا مَقَامُ الصَّفَاءِ وَالتَّجْرِيدِ الكُلِّيِّ، فَالجَنَّةُ هِيَ مَا جَنَاهُ العَبْدُ مِنْ مَحَبَّةِ مَوْلَاهُ وَعِرْفَانِهِ لَهُ وَعَقْدِ نِيَّتِهِ، فأَصْبَحَ مَأْوَى لَهُ يَنْزِلُ بِهِ مَتَى شَاءَ، وَلَمْ يَعْرُجِ العَبْدُ إِلّا مِنْهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ بِاخْتِيَارِهِ بِمَا اخْتَارَهُ لَهُ القَدِيمُ عَلَى قَدْرِ مَنْزِلَتِهِ مِنْهُ عَزَّ سُلْطَانُهُ.

﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾(2) فَهُوَ مَقَامُ الكُلِّ بِالكُلِّ، إِذْ يَغْشَى تَلَأْلُؤُ نُورِ ضِيَاءِ ظِلِّ تِلْكَ الشَّجَرَةِ بِبَوَارِقِ الشَّجَرَةِ الذَّاتِيَّةِ الحَقِّيَّةِ، لِأَنَّهَا هِيَ هِيَ بِالمُمَاثَلَةِ، وَخَلَقَهَا وَقَدَّرَهَا عَلَى مِثَالِ صُورَتِهِ فَهِيَ مِرْآتُهَا، مَا يَغْشَى ظِلُّ تِلْكَ الشَّجَرَةِ إِلّا مَنْ كَانَتْ مِنْهُ وَإِلَيْهِ تَعُودُ، فَعِنْدَئِذٍ تُشَاهِدُ ذَاتَهَا بِذَاتِهَا لَا خَارِجَةً عَنْهَا وَلَا هِيَ بِعَيْنِهَا.

﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾(3) فَهَذَا مَقَامُ البَصَرِ كُلِّهِ وَالسَّمْعِ كُلِّهِ، ثُمَّ نَفَى مَيْلُ البَصَرِ عِنْدَ رُؤْيَةِ رَبَّهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الشَّاهِدُ بِذَاتِهِ وَالمُبْصِرُ لَهُ وَمُكَوِّنُهُ وَفَاعِلُهُ، فَعِنْدَهَا العَبْدُ يُبْصِرُ بِاللَّهِ، وَيَسْمَعُ بِاللَّهِ، وَيَنْطِقُ بِاللَّهِ، وَتَكُونُ جَمِيعُ أَعْمَالِهِ لِلَّهِ، وَهَذَا مَقَامُ الأَحْرَارِ الأَبْرَارِ الفَنَانِيَ الفَنَاءَ الكُلِّيِّ فِي مَحَبَّةِ مَوْلَاهُ الأَزَلُ القَدِيمُ.

﴿عندها جنة المأوى﴾(1) فهنا مقام الصفاء والتجريد الكلي، فالجنة هي ما جناه العبد من محبة مولاه وعرفانه له وعقد نيته، فأصبح مأوى له ينزل به متى شاء، ولم يعرج العبد إلا منه في كل وقت وحين باختياره بما اختاره له القديم على قدر منزلته منه عز سلطانه.

﴿إذ يغشى السدرة ما يغشى﴾(2) فهو مقام الكل بالكل، إذ يغشى تلألؤ نور ضياء ظل تلك الشجرة ببوارق الشجرة الذاتية الحقية، لأنها هي هي بالمماثلة، وخلقها وقدرها على مثال صورته فهي مرآتها، ما يغشى ظل تلك الشجرة إلا من كانت منه وإليه تعود، فعندئذ تشاهد ذاتها بذاتها لا خارجة عنها ولا هي بعينها.

﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾(3) فهذا مقام البصر كله والسمع كله، ثم نفى ميل البصر عند رؤية ربه؛ لأنه هو الشاهد بذاته والمبصر له ومكونه وفاعله، فعندها العبد يبصر بالله، ويسمع بالله، وينطق بالله، وتكون جميع أعماله لله، وهذا مقام الأحرار الأبرار الفناني الفناء الكلي في محبة مولاه الأزل القديم.

الهوامش

1سورة النجم: 15
2سورة النجم: 16
3سورة النجم: 17
الصفحة 50 من 169