مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

رُؤْيَةٌ فِيْ التَّوْحِيْدِ - حَبِيبُ عَبْدُ الله غَانِمٌ

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 49 من 169

بْنِ جُنْدُبٍ: وَأَمَّا النُّورُ فَهُوَ ذَاتٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يَبدُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَلَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ عِلَّةُ الاِخْتِبَارِ، فَهِيَ صَفَاءُ ذَاتِهَا بِذَاتِهَا، فَعَادَ بِحَالِ العُودِ إِلَى البَدْوِ مِنْ مُكَوِّنِهِ إِلَخْ.

فَأَهْلُ الضَّلَالِ اتَّبَعُوا الكَثَائِفَ، وَأَهْلُ الحَقِّ اتَّبَعُوا اللَّطَائِفَ، فَوُقُوعُ المِحَنِ عَلَى أَهْلِ التَّقْصِيرِ وَأَهْلِ الكُفْرِ وَالعِصْيَانِ، فَمَنْ كَانَ خَارِجًا عَنْهُمْ فَلَيْسَ يُوقِعُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَالمِحَنُ عَلَى أَهْلِ المِزَاجِ لَا عَلَى الجَوَاهِرِ المُضِيئَةِ.

﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ﴾(1) فَهُنَا مَقَامُ الغَايَةِ وَالنِّهَايَةِ لِلْمُوَحِّدِ، فَهَذِهِ الشَّاهِدَةُ وَالرُّؤْيَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ انْتِقَالُ المُوَحِّدِ مِنَ المُتَشَابِهِ إِلَى المُحْكَمِ فِي ذَاتِهِ، لَا بِغَيْرِهِ، وَلَا يَرَى شَيْئًا إِلَّا مُحْكَمًا، فَالرُّؤْيَتَانِ رُؤْيَةٌ وَاحِدَةٌ نَحْوَ الحَقِّ، فَالمَرْئِيُّ بِالصِّفَةِ هُوَ المُجَرَّدُ عَنِ الصِّفَةِ، فَيَرْتَقِي العَبْدُ مِنْ تَقْيِيدِهِ إِلَى إِطْلَاقِهِ، أَيْ مِنْ حِجَابِ نَفْسِهِ إِلَى حِجَابِ قَلْبِهِ المَعْنَوِيِّ، وَهُنَاكَ سِدْرَةُ المُنْتَهَى لَدَيْهِ، وَفِيهَا مِنْ عَجَائِبِ رَبِّي مَا لَا يُحْصَى، لِأَنَّهَا بَيْتُ الحِكْمَةِ، وَفَيْضُ الإِشْرَاقِ الدَّائِمِ فِي ضِيَاءِ سَمَائِهَا وَظِلِّ أَرْضِهَا القَابِضِ عَلَى أَزِمَّتِهَا.

بن جندب: وأما النور فهو ذات واحدة لم يبد من حال إلى حال ولا دخلت عليه علة الاختبار، فهي صفاء ذاتها بذاتها، فعاد بحال العود إلى البدو من مكونه إلخ.

فأهل الضلال اتبعوا الكثائف، وأهل الحق اتبعوا اللطائف، فوقوع المحن على أهل التقصير وأهل الكفر والعصيان، فمن كان خارجا عنهم فليس يوقع فيه شيء من ذلك، فالمحن على أهل المزاج لا على الجواهر المضيئة.

﴿ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى﴾(1) فهنا مقام الغاية والنهاية للموحد، فهذه الشاهدة والرؤية الثانية هي انتقال الموحد من المتشابه إلى المحكم في ذاته، لا بغيره، ولا يرى شيئا إلا محكما، فالرؤيتان رؤية واحدة نحو الحق، فالمرئي بالصفة هو المجرد عن الصفة، فيرتقي العبد من تقييده إلى إطلاقه، أي من حجاب نفسه إلى حجاب قلبه المعنوي، وهناك سدرة المنتهى لديه، وفيها من عجائب ربي ما لا يحصى، لأنها بيت الحكمة، وفيض الإشراق الدائم في ضياء سمائها وظل أرضها القابض على أزمتها.

الهوامش

1سورة النجم: 13-14
الصفحة 49 من 169