مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

رُؤْيَةٌ فِيْ التَّوْحِيْدِ - حَبِيبُ عَبْدُ الله غَانِمٌ

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 47 من 169

وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ﴾(1) فَهُنَا مَقَامُ المُمَاثَلَةِ بِالقُدْرَةِ، لِيُعْرَفَ هَذَا رَبٌّ وَهَذَا عَبْدٌ، فَكَانَ بِذَاتِهِ بَرْزَخٌ مَا بَيْنَ القَوْسَيْنِ المُشَارِ إِلَيْهِمْ بِالعَجْزِ وَالمُعْجِزِ وَالعِلْمِ وَالقُدْرَةِ، وَهُوَ الفَاعِلُ لهُمَا، وَانْحِنَاءُ القَوْسَيْنِ نَحْوَ الأَعْلَى وَالأَسْفَلِ هُوَ كَمَالُ حَقِيقَتِهِمَا بِالصُّورَةِ، فَالقَوْسُ الأَوَّلُ صِفَةُ الخَالِقِ، وَالقَوْسُ الثَّانِي ظِلُّ الخَالِقِ، فَعِنْدَمَا يَكُونُ المَخْلُوقُ مُتَحَقِّقًا بِكَامِلِ الصِّفَاتِ وَالأَسْمَاءِ الإِلَهِيَّةِ، فَعِنْدَئِذٍ يَرَى كَمَالَ التَّجَلِّي الَّذِي آَنَسَ لَهُ التَّجَلِّيَ بِهَا، وَدُنُوَّهُ مِنْهُ، فَهُوَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ بِالقُوَّةِ وَالعَظَمَةِ وَاللُّطْفِ، تَعَالَى اللَّهُ عنْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾(2).

فَالمَخْلُوقُ البَشَرِيُّ جَامِعُ الكَثَائِفِ وَاللَّطَائِفِ، وَهُمْ فِي صَنْعَةٍ وَاحِدَةٍ فِي المَكَانِ الوَاحِدِ، فَاللَّطَائِفُ هُوَ الجَوْهَرُ الرُّوحِيُّ، وَالكَثَائِفُ هُوَ المِزَاجُ البَشَرِيُّ.

﴿فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ﴾(3) هُوَ مَقَامُ العُبُودِيَّةِ عِنْدَ المُوَحِّدِ فَالوَحْيُ كَمَا أَشَرْنَا بِهِ سَابِقًا هُوَ الإِشَارَةُ بِصَمْتٍ أَوْ إِخْفَاءٍ بِكَلَامٍ إِلَى المَكَانِ، وَهُوَ الاِسْمُ المُعَيَّنُ لاِسْتِقْبَالِ الوَحْيِ الإِلَهِيِّ عِنْدَ سُفُورِ الحَقِّ كَالخلْقِ فِي جَوْهَرِيَّةِ العَقْلِ الفَعَّالِ، وَهُوَ السِّرُّ السَّارِي مِنَ الحَقِّ إِلَى الخَلْقِ، فَعَبْدُهُ هُوَ الحِجَابُ الَّذِي كَوْنُهُ

وقوله: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾(1) فهنا مقام المماثلة بالقدرة، ليعرف هذا رب وهذا عبد، فكان بذاته برزخ ما بين القوسين المشار إليهم بالعجز والمعجز والعلم والقدرة، وهو الفاعل لهما، وانحناء القوسين نحو الأعلى والأسفل هو كمال حقيقتهما بالصورة، فالقوس الأول صفة الخالق، والقوس الثاني ظل الخالق، فعندما يكون المخلوق متحققا بكامل الصفات والأسماء الإلهية، فعندئذ يرى كمال التجلي الذي آنس له التجلي بها، ودنوه منه، فهو أقرب إليه من حبل الوريد بالقوة والعظمة واللطف، تعالى الله عن ذلك لقوله تعالى: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾(2).

فالمخلوق البشري جامع الكثائف واللطائف، وهم في صنعة واحدة في المكان الواحد، فاللطائف هو الجوهر الروحي، والكثائف هو المزاج البشري.

﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾(3) هو مقام العبودية عند الموحد فالوحي كما أشرنا به سابقا هو الإشارة بصمت أو إخفاء بكلام إلى المكان، وهو الاسم المعين لاستقبال الوحي الإلهي عند سفور الحق كالخلق في جوهرية العقل الفعال، وهو السر الساري من الحق إلى الخلق، فعبده هو الحجاب الذي كونه

الهوامش

1سورة النجم: 9
2سورة ق: 16
3سورة النجم: 10
الصفحة 47 من 169