﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾(1) فَهَذَا مَقَامُ الاِقْتِرَابِ كَأَنَّهُمْ ذَاتٌ وَاحِدَةٌ، فَكَانَ دُنُوُّهُ اقْتِرَابَ الصَّانِعِ مِنَ المَصْنُوعِ، فَتَدَلَّى أَيْ أَرْشَدَ الخَلْقَ لِذَاتِهِ بِصُورَةِ اللُّطْفِ وَالقَهْرِ وَهُمَا المُحْكَمَاتُ وَالمُتَشَابِهَاتُ، فَطُوبَى لِمَنْ قُدِّرَ لَهُ المُحْكَمُ، وَالوَيْلُ لِمَنْ قُدِّرَ لَهُ المُتَشَابِهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾(2) فَتَدَلِّي ذَاكَ النَّجْمِ الحَاكِمِ عَلَى مَرْأَى الخَلْقِ وَشُهُودِ عَظَمَتِهِ، وَإِنَّمَا التَّدَلِّي عَلَى ذَاتِهِ بِذَاتِهِ، فَكَانَ هُوَ الدَّالَّ وَهُوَ المَدْلُولُ بِعَيْنِ الحِكْمَةِ، وَالشَّاهِدُ بِذَلِكَ مِنْ كِتَابِ "البَحْثِ وَالدَّلَالَةِ" لِلسَّيِّدِ أَبُو سَعِيدٍ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- ، يَرْفَعُ الحَدِيثَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ هَوْذَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمَّادٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْزٍ عَنْ حَمْرَانَ بْنِ أَعْيَنَ فَقَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ -عَزَّ عَزُّهُ- عَنْ قَوْلِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- : ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ﴾(3) فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ أَدْنَى مُحَمَّدًا -عَزَّ عَزُّهُ- فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ إِلَّا قَفَصٌ مِنْ نُورٍ فِيهِ فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ يَتَلَأْلَأُ، فَرَأَى صُورَةً، فَقِيلَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ تَعْرِفُ هَذِهِ الصُّورَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ هَذِهِ صُورَةُ عَلِيِّ رَبِّي وَإِلَهِي، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ يَزَوِّجَهُ فَاطِمَةَ وَيَتَّخِذَهُ وَصِيًّا» مَا أَحْسَنَ هَذَا الشَّاهِدَ الَّذِي أَتَى بِهِ السَّيِّدُ أَبُو سَعِيدٍ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- عَنْ مَوْلَانَا -عَزَّ عَزُّهُ- فِي مَعْنَى هَذِهِ الآيَةِ.
﴿ثم دنا فتدلى﴾(1) فهذا مقام الاقتراب كأنهم ذات واحدة، فكان دنوه اقتراب الصانع من المصنوع، فتدلى أي أرشد الخلق لذاته بصورة اللطف والقهر وهما المحكمات والمتشابهات، فطوبى لمن قدر له المحكم، والويل لمن قدر له المتشابه، لقوله تعالى: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾(2) فتدلي ذاك النجم الحاكم على مرأى الخلق وشهود عظمته، وإنما التدلي على ذاته بذاته، فكان هو الدال وهو المدلول بعين الحكمة، والشاهد بذلك من كتاب "البحث والدلالة" للسيد أبو سعيد -قدسه الله- ، يرفع الحديث عن أحمد بن هوذة عن إبراهيم بن إسحاق عن عبد الله بن حماد عن عبد الله بن بكيز عن حمران بن أعين فقال: سألت أبا جعفر -عز عزه- عن قول الله -عز وجل- : ﴿ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى﴾(3) فقال: «إن الله أدنى محمدا -عز عزه- فلم يكن بينه وبينه إلا قفص من نور فيه فراش من ذهب يتلألأ، فرأى صورة، فقيل له: يا محمد تعرف هذه الصورة؟ قال: نعم هذه صورة علي ربي وإلهي، فأوحى الله إليه أن يزوجه فاطمة ويتخذه وصيا» ما أحسن هذا الشاهد الذي أتى به السيد أبو سعيد -قدسه الله- عن مولانا -عز عزه- في معنى هذه الآية.




