﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ﴾(1) وَهُوَ مَقَامُ المُسَاوَاةِ بَيْنَ القُوَّةِ وَالفِعْلِ عِنْدَ نُزُولِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ النَّجْمِيَّةِ وَوَحْيِهَا وَعَلَامَتِهَا القَوِيَّةِ المُنْفَرِدَةِ بِذَاتِهَا الفَاعِلَةِ الغَيْرِ قَابِلَةٍ لِلتَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ، فَكَانَ اسْتِوَاؤُهَا تَقْدِيرًا مِنْهَا وَاعْتِدَالاً لِشَأنِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَصَّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَنَشْرُهَا وَبَسْطُهَا لِلْجَمِيعِ، وَهُوَ الِاسْتِوَاءُ وَالمُسَاوَاةُ مِنْ حَيْثُ الظُّهُورِ وَالبُطُونِ شَرْعًا، لِقَوْلِ العَالِمِ -عَزَّ عَزُّهُ- : «ظَهَرَ لِلْجَمِيعِ وَبَطَنَ عَنِ الجَمِيعِ، فَالجَمِيعُ شَاهَدُوا القُدْرَةَ، وَلَكِنْ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ عَنْهَا».
﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ﴾(2) وَهِيَ المُشَاهَدَةُ الأَسْنَى وَالأَعْلَى مَا يَصِلُ إِلَيْهِ المُوَحِّدُ بِشُهُودِ عَيْنِ بَصِيرَتِهِ وَسَعَتِهَا وَمَدَاهَا بِدُونِ تَعْيينٍ لِذَاتِهِ المُقَدَّسَةِ فَالتَّعيينُ لِلمَكَانِ، إِذْ لَا مَكَانَ لِمُوجِدِ المَكَانِ إِلَّا هُوَ، وَلِكنْ شَفَافَةِ المَكَانِ عَلَى قَدْرِ احْتِمَالِهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ، وَالمُتَجَلِّي لَهُ أَرْفَعُ وَأَجَلُّ مِنْ ذَلِكَ العُلُوِّ، وَهُوَ فَوْقَ الخُطُوطِ وَالمَقَادِيرِ الَّذِي يَخْطُرُ بِبَالِكَ أَيُّهَا المَخْلُوقُ العَاجِزُ، لِقَوْلِ العَالِمِ -عَزَّ عَزُّهُ- : «لَا تُقَدِّرْ عَظَمَةَ الخَالِقِ عَلَى قَدْرِ عَقْلِكَ فَتَهْلِكَ»، فَمَقَامُ السَّالِكِ عَلَى قَدْرِهِ تُفْتَحُ لَهُ كُنُوزُ الأَسْرَارِ، فَتَظْهَرُ لَهُ كَضِيَاءِ الشَّمْسِ عَلَى الكَائِنَاتِ.
﴿ذو مرة فاستوى﴾(1) وهو مقام المساواة بين القوة والفعل عند نزول تلك الحقيقة النجمية ووحيها وعلامتها القوية المنفردة بذاتها الفاعلة الغير قابلة للتغيير والتبديل، فكان استواؤها تقديرا منها واعتدالا لشأنها مرة واحدة فاختص برحمته من يشاء، ونشرها وبسطها للجميع، وهو الاستواء والمساواة من حيث الظهور والبطون شرعا، لقول العالم -عز عزه- : «ظهر للجميع وبطن عن الجميع، فالجميع شاهدوا القدرة، ولكن يهدي من يشاء ويضل من يشاء عنها».
﴿وهو بالأفق الأعلى﴾(2) وهي المشاهدة الأسنى والأعلى ما يصل إليه الموحد بشهود عين بصيرته وسعتها ومداها بدون تعيين لذاته المقدسة فالتعيين للمكان، إذ لا مكان لموجد المكان إلا هو، ولكن شفافة المكان على قدر احتماله واستحقاقه، والمتجلي له أرفع وأجل من ذلك العلو، وهو فوق الخطوط والمقادير الذي يخطر ببالك أيها المخلوق العاجز، لقول العالم -عز عزه- : «لا تقدر عظمة الخالق على قدر عقلك فتهلك»، فمقام السالك على قدره تفتح له كنوز الأسرار، فتظهر له كضياء الشمس على الكائنات.




