بِالأَمَاكِنِ المُطْلَقَةِ، وَبِدُونِ تَمَازُجِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، فالمُقَيَّدُ مَفْعُولٌ عَنِ المُطْلَقِ فَالحَاصِلُ مِنْهُمَا فِعْلُ الإِرَادَةِ المُقَيَّدَةِ وَالمُطْلَقَةِ وَذَلِكَ فِي الخَلْقِ.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾(1) وَهُنَا مَقَامُ الغَيْبِ، وَهَذَا الوَحْيُ وَالإِشَارَةُ إِيمَاءٌ لِلْمَكَانِ، وَلَمَعَانُ تِلْكَ النَّجْمِ الَّذِي خَطَفَ الأَبْصَارَ بَجَوْهَرِ ضِيَاءِ نُورِهِ وَظِلِّ حِكْمَتِهِ مِنْ فَوقِ كَيَانِ الكَوْنِ لِشِدَّةِ عَظَمَتِهِ وَحْيًا لِلْخَلْقِ مِنْ عَالَمِ الغَيْبِ إِلَى عَالَمِ الشَّهَادَةِ، كَبُزُوغِ الشَّمْسِ مِنْ غَيْبِهَا لِطُلُوعِهَا، وَمِنْ عَالَمِ الأَمْرِ إِلَى عَالَمِ الخَلْقِ حَتَّى يَتِمَّ تَصْوِيرُهُ الدَّائِمُ بِالفِعْلِ.
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ﴾(2) فَهُنَا مَقَامُ التَّعْلِيمِ بِدُونِ وَاسِطَةٍ وَلَمْ يَكُنْ عِلْمُ إِلّا مِنْ مُعَلِّمٍ، وَالعِلْمُ غَيْرُ المُعَلِّمِ، وَالتَّعْلِيْمُ وَالعِلْمُ مِنَ المُعَلِّمِ الأَوَّلِ، وَبِدُونِ نَقْصٍ بَذَاتِهِ، وَالعِلمُ عَلَاقَةُ الوُجُودِ، ﴿شَدِيدُ الْقُوَىٰ﴾ أَيْ: فَالقُوَّةُ ذَاتٌ وَالقُوَى ذَوَاتٌ مُنْفَعِلَةٌ عَنِ الذَّاتِ الكُلِّيَّةِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مُنْفَعِلَةً عَنِ الذَّاتِ لَمَا جُعِلَتْ مَوْضِعَ العِلْمِ وَالقُدْرَةِ، وَلَا يُوجَدُ فِعْلُ العِلمِ إِلّا بِمَكَانٍ مِنْ حَيْثُ الخَلْقِ، وَعِنْدَ تَلاَشِي المَكَانِ عُدِمَ أَثَرُ العِلمِ، كَمَا قِيلَ: يَمُوتُ العِلمُ بِمَوْتِ حَامِلِهِ، لِقَوْلِ الرَّسُولِ -عَزَّ عَزُّهُ- : «كُلُّ الدُّنْيَا جَهْلٌ، إِلَّا مَوْضِعُ العِلْمِ، وَكُلُّ العِلْمِ حُجَّةٌ إِلَّا مَا عُمِلَ بِهِ، وَكُلُّ الأَعْمَالِ رِيَاءٌ إِلَّا مَا كَانَ مُخْلَصًا».
بالأماكن المطلقة، وبدون تمازج بعضها ببعض، فالمقيد مفعول عن المطلق فالحاصل منهما فعل الإرادة المقيدة والمطلقة وذلك في الخلق.
﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾(1) وهنا مقام الغيب، وهذا الوحي والإشارة إيماء للمكان، ولمعان تلك النجم الذي خطف الأبصار بجوهر ضياء نوره وظل حكمته من فوق كيان الكون لشدة عظمته وحيا للخلق من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، كبزوغ الشمس من غيبها لطلوعها، ومن عالم الأمر إلى عالم الخلق حتى يتم تصويره الدائم بالفعل.
﴿علمه شديد القوى﴾(2) فهنا مقام التعليم بدون واسطة ولم يكن علم إلا من معلم، والعلم غير المعلم، والتعليم والعلم من المعلم الأول، وبدون نقص بذاته، والعلم علاقة الوجود، ﴿شديد القوى﴾ أي: فالقوة ذات والقوى ذوات منفعلة عن الذات الكلية، ولو لم تكن منفعلة عن الذات لما جعلت موضع العلم والقدرة، ولا يوجد فعل العلم إلا بمكان من حيث الخلق، وعند تلاشي المكان عدم أثر العلم، كما قيل: يموت العلم بموت حامله، لقول الرسول -عز عزه- : «كل الدنيا جهل، إلا موضع العلم، وكل العلم حجة إلا ما عمل به، وكل الأعمال رياء إلا ما كان مخلصا».




