مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

رُؤْيَةٌ فِيْ التَّوْحِيْدِ - حَبِيبُ عَبْدُ الله غَانِمٌ

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 165 من 169

وَالإِشَارَةُ بِهَا إِلَى نَحْوِ القَصْدِ، وَالعِبَادَةُ لِلّٰهِ تَعَالَى وَهِيَ عِبَادَةُ المَخْلُوقِ بِالنِّيَّةِ الصَّادِقَةِ، وَالوَلَاءُ المَطْلَقُ بِاتِّجَاهِهَا لِنَحْوِ الحَقِّ الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ إِلَيْنَا مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ.

فَيَكُونُ العَبْدُ الصَّالِحُ ضَحَّى بِمَنْعِ نَفْسِهِ عَنْ عَلَائِقِهَا وَمَلَاذِّهَا وَطَاعَةِ النَّفْسِ لِلرُّوحِ حَتَّى تَصِلَ إِلَى حَضْرَةِ الحَقِّ -جَلَّ جَلَالُهُ- وَهُوَ بِكَمَالِ نِيَّتِهِ تَقِيًّا نَقِيًّا صَافِيًا بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وَبَذَلَ مَالَهُ بِالبَحْثِ عَنِ العُلُومِ الإِلٰهِيَّةِ وَالكُنُوزِ وَالأَسْرَارِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالتَّفَكُّرِ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَبَذَلَ المَحَبَّةَ وَالمُوَاصَلَةَ لِإِخْوَانِهِ البَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى مُشَاهَدَةِ الحَضْرَةِ الذَّاتِيَّةِ، فَيَكُونُ قَدْ أَدَّى القُرْبَانَ وَالمَالَ الحَقِيقِيَّ وَقَامَ بِقُرْبَانِ مَوْلَاهُ عَلَى الحَقِيقَةِ بِحَيْثُ لَا تَكُونُ نِيَّتُهُ إِلَّا بِالقُرْبِ وَالمَعْرِفَةِ وَالتَّوَجَّهِ لِنَحْوِ الحَقِّ، وَهٰذَا طَرِيقُ أَهْلِ الخَيْرِ الَّذِينَ يَرْجُونَ العَمَلَ الصَّالِحَ وَكَشْفَ الغِطَاءِ المَسْتُورِ وَمُشَاهَدَةَ الذَّاتِ بِالذَّاتِ فَعِنْدَ ذٰلِكَ يَصْبَحُ العَبْدُ شَمْعَةً تُضِيءُ بِيَدِ مَوْلَاهُ جَلَّ وَعَلَا عَنِ المِثْلِ.

وَلَقَدْ وَرَدَ أَنَّ قُرْبَانَ مَوْلَانَا هَابِيلَ كَانَ ذِكْرًا، فَالذِّكْرُ هُنَا هُوَ التَّقَرُّبُ إِلَى الله سُبْحَانَهُ بِالعَقْلِ، كَمَا قَالَ صَاحِبُ "الرِّسَالَةِ المِصْرِيَّةِ" بِرِوَايَتِهِ عَنِ المَوَالِي -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ- : «لَا يُعْبَدُ اللّٰهُ إِلَّا بِالعَقْلِ، وَلَا عَبَدَ اللّٰهُ إِلَّا كُلُّ ذِي عَقْلٍ».

والإشارة بها إلى نحو القصد، والعبادة لله تعالى وهي عبادة المخلوق بالنية الصادقة، والولاء المطلق باتجاهها لنحو الحق الذي هو أقرب إلينا من حبل الوريد.

فيكون العبد الصالح ضحى بمنع نفسه عن علائقها وملاذها وطاعة النفس للروح حتى تصل إلى حضرة الحق -جل جلاله- وهو بكمال نيته تقيا نقيا صافيا بقلب سليم، وبذل ماله بالبحث عن العلوم الإلهية والكنوز والأسرار الربانية والتفكر في خلق السماوات والأرض، وبذل المحبة والمواصلة لإخوانه الباطنة والظاهرة حتى يصل إلى مشاهدة الحضرة الذاتية، فيكون قد أدى القربان والمال الحقيقي وقام بقربان مولاه على الحقيقة بحيث لا تكون نيته إلا بالقرب والمعرفة والتوجه لنحو الحق، وهذا طريق أهل الخير الذين يرجون العمل الصالح وكشف الغطاء المستور ومشاهدة الذات بالذات فعند ذلك يصبح العبد شمعة تضيء بيد مولاه جل وعلا عن المثل.

ولقد ورد أن قربان مولانا هابيل كان ذكرا، فالذكر هنا هو التقرب إلى الله سبحانه بالعقل، كما قال صاحب "الرسالة المصرية" بروايته عن الموالي -عليهم السلام- : «لا يعبد الله إلا بالعقل، ولا عبد الله إلا كل ذي عقل».

الصفحة 165 من 169