وَهٰذَا البَدَنُ الحِسِّيُّ نَاتِجٌ مِنَ الخَطِيئَةِ وَالمَعْصِيَةِ الَّتِي عَصَى آدَمُ رَبَّهُ بِهَا، وَلَوْلَا المِزَاجُ لَمَا كَانَ يَعْمَلُ الإِنْسَانُ الخَطِيئَةَ، لِقَوْلِ ابْنِ شُعْبَةَ فِي "حُجَّةِ العَارِفِ": «كُلُّ إِنْسَانٍ إِبْلِيسُهُ مِزَاجُهُ».
وَالهَبْطَةُ قَبْلَ البَدَنِ الحِسِّيِّ فِي الأَظْلِلَةِ وَالأَشْبَاحِ، لِأَنَّ الأَرْوَاحَ قَبْلَ إِبْلِيسَ، وَالأَبْدَانَ بَعْدَ إِبْلِيسَ، لِقَوْلِ الشَّيْخِ حُسَيْنِ أَحْمَدَ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- شِعْرًا:
فَأَرْوَاحُنَا مِنْ قَبْلِ إِبْلِيسَ كُوِّنَتْ | بِهَا جَوْهَرُ الأَكْوَانِ قَامَ السَنَاجِقِ | |
وَأَجْسَامُنَا مِنْ بَعْدِ إِبْلِيسَ رُكِّبَتْ | مِنَ الطِّينِ صَلْصَالٍ وَلَاذِبٍ وَرَائِقِ |
وَأَمَّا الحَدُّ الثَّانِي: هُوَ الحَدُّ البَاطِنُ، وَهُوَ التَّقَرُّبُ إِلَى اللّٰهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالشَّيْءِ الدَّائِمِ البَاقِي بِإِشْرَاقِ الجَوَاهِرِ العَقْلِيَّةِ النُّورَانِيَّةِ بِجَمِيعِ خُصُوصِيَّاتِهَا المُفَاضَةِ مِنَ الخَالِقِ إِلَى المَخْلُوقِ وَهِيَ المَوَاهِبُ الإِلٰهِيَّةُ، وَالذَّبْحُ هُوَ ذَبْحُ النَّفْسِ وَتَنْزِيهُهَا عَنْ جَمِيعِ العَلَائِقِ الحِسِّيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ وَالوَهْمِيَّةِ وَالخَيَالِيَّةِ، وَتَعَلُّقُهَا بِالصِّفَاتِ وَالأَسْمَاءِ الحُسْنَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَا﴾(1).
وهذا البدن الحسي ناتج من الخطيئة والمعصية التي عصى آدم ربه بها، ولولا المزاج لما كان يعمل الإنسان الخطيئة، لقول ابن شعبة في "حجة العارف": «كل إنسان إبليسه مزاجه».
والهبطة قبل البدن الحسي في الأظللة والأشباح، لأن الأرواح قبل إبليس، والأبدان بعد إبليس، لقول الشيخ حسين أحمد -قدسه الله- شعرا:
فأرواحنا من قبل إبليس كونت | بها جوهر الأكوان قام السناجق | |
وأجسامنا من بعد إبليس ركبت | من الطين صلصال ولاذب ورائق |
وأما الحد الثاني: هو الحد الباطن، وهو التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بالشيء الدائم الباقي بإشراق الجواهر العقلية النورانية بجميع خصوصياتها المفاضة من الخالق إلى المخلوق وهي المواهب الإلهية، والذبح هو ذبح النفس وتنزيهها عن جميع العلائق الحسية والنفسية والوهمية والخيالية، وتعلقها بالصفات والأسماء الحسنى لقوله تعالى: ﴿ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها﴾(1).




