مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

رُؤْيَةٌ فِيْ التَّوْحِيْدِ - حَبِيبُ عَبْدُ الله غَانِمٌ

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 161 من 169

فَأَمَّا الحَدُّ الظَّاهِرُ: فَذٰلِكَ أَنَّ الصَّدَقَاتِ وَالقَرَابِينَ المَشْرُوعَةَ وَالمَفْرُوضَةَ كُلٌّ عَلَى قَدَرِ اِسْتَطَاعَتِهِ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ إقَامَةِ ذَبْحِ الذَّبَائِحِ وَإِنْفَاقِ المَالِ الظَّاهِرِ حَسَبَ الأِسْتِطَاعَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَا﴾(1)، فَكُلُّ ذٰلِكَ رَاجِعٌ مِنْ أَجْلِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَقُوتِ الجِسْمِ وَمُشْتَهَيَاتِ النَّفْسِ، لِأَنَّ الجِسْمَ الحِسِّيَّ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الغِذَاءِ الظَّاهِرِ كَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ شَيْءٍ مَادِّيٍّ مِنْ أَجْلِ قُوتِ الجَسَدِ الظَّاهِرِ، وَكُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنْ تِلْكَ الجَسَدِ هُوَ شَيْءٌ فَانِي وَمَذْمُومٌ مِثْلَ البَوْلِ وَالغَائِطِ وَالعَرَقِ وَالشَّعَرِ وَمَا أَشْبَهَ ذٰلِكَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمًا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىۡءٍ مُّقۡتَدِرًا﴾(2).

وَلَمَّا كَانَ الإِنْسَانُ جَامِعٌ لِهٰذِهِ الطَّبَائِعِ الأَرْضِيَّةِ المَادِّيَّةِ الحِسِّيَّةِ وَهِيَ: نَارٌ، هَوَاءٌ مَاءٌ، تُرَابٌ، كَانَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ هٰذَا الغِذَاءِ الحِسِّيِّ النَّاتِجِ مِنَ الطَّبِيعَةِ الظَّاهِرَةِ وَجَمِيعِ مَا تُظْهِرُ تِلْكَ الطَّبِيعَةِ، فَالإِنْسَانُ يَحْتَاجُهُ مِنْ أَجْلِ البَدَنِ الظَّاهِرِ، وَكُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ يَعُودُ إِلَى العَدَمِ.

وَإِنَّ هٰذَا البَدَنَ الحِسِّيَّ لَا يَقُومُ بِدُونِ شَيْءٍ جَوْهَرٍ مَعْقُولٍ عِنْدَ الإِنْسَانِ، وَهُوَ بَاقِي لَا يَفْنَى وَبَقَاؤُهُ مِنَ الفَيْضِ المُشْرِقِ مِنَ الحَقِّ إِلَى الخَلْقِ

فأما الحد الظاهر: فذلك أن الصدقات والقرابين المشروعة والمفروضة كل على قدر استطاعته هي عبارة عن إقامة ذبح الذبائح وإنفاق المال الظاهر حسب الأستطاعة، لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾(1)، فكل ذلك راجع من أجل الحياة الدنيا وقوت الجسم ومشتهيات النفس، لأن الجسم الحسي لا بد له من الغذاء الظاهر كالطعام والشراب وهو عبارة عن شيء مادي من أجل قوت الجسد الظاهر، وكل ما يخرج من تلك الجسد هو شيء فاني ومذموم مثل البول والغائط والعرق والشعر وما أشبه ذلك، لقوله تعالى: ﴿مثل الحيوة الدنيا كمآء أنزلنه من السمآء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الريح وكان الله على كل شىء مقتدرا﴾(2).

ولما كان الإنسان جامع لهذه الطبائع الأرضية المادية الحسية وهي: نار، هواء ماء، تراب، كان لا بد له من هذا الغذاء الحسي الناتج من الطبيعة الظاهرة وجميع ما تظهر تلك الطبيعة، فالإنسان يحتاجه من أجل البدن الظاهر، وكل ما يخرج منه يعود إلى العدم.

وإن هذا البدن الحسي لا يقوم بدون شيء جوهر معقول عند الإنسان، وهو باقي لا يفنى وبقاؤه من الفيض المشرق من الحق إلى الخلق

الهوامش

1سورة البقرة: 286
2سورة الكهف: 45
الصفحة 161 من 169