مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

رُؤْيَةٌ فِيْ التَّوْحِيْدِ - حَبِيبُ عَبْدُ الله غَانِمٌ

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 152 من 169

وَلْنَرْجِعْ إِلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ مِنْ مَعْرِفَةِ الغَسَقِ، فَالغَسَقُ صِفَةُ اللَّيْلِ وَالدُّجَىْ صِفَةُ الغَسَقِ، وَالغَسَقُ دَلِيلٌ عَلَى لَيْلِ الصِّفَاتِ البَاطِنَةِ، وَالدُّجَىْ دَلِيلٌ عَلَى الصِّفَاتِ الظَّاهِرَةِ، أَيْ يَبْطُنُ بِالصِّفَاتِ الحَقِيقِيَّةِ عَنْ صِفَاتِ الخَلْقِ فَالرَّائِي لَا يَقْدِرُ أَنْ يَصِفَهُ إِلَّا بِاسْمٍ، وَهٰذَا الاِسْمُ وَاقِعٌ عَلَى هَيْئَةٍ أَوْ صُورَةٍ إِنْ كَانَتْ بَاطِنَةً أَوْ ظَاهِرَةً وَلَمْ يُدْرِكْ مَعْنَاهَا، وَهٰذِهِ الصِّفَاتُ خَالِقَةٌ لَا مَخْلُوقَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿صِبۡغَةَ ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةً وَنَحۡنُ لَهُۥ عَٰبِدُونَ﴾(1)، لَمْ تَكُنِ العِبَادَةُ لِلصِّبْغَةِ بَلْ لِلْمُتَجَلِّي بِتِلْكَ الصِّبْغَةِ، فَالصِّبْغَةُ هِيَ صِفَةُ الغَسَقِ وَهِيَ صُورَتُهُ الَّتِي لَا مِثَالَ وَلَا شَكْلَ يُضَاهِيهَا، وَهِيَ الَّتِي مَاثَلَ بِهَا الخَلْقَ نُورًا وَبَشَرًا.

وَاللَّيْلُ هُوَ الغَيْبَةُ وَالقَصْدُ بِهِ الذَّاتُ العَالِيَةُ، وَحَقِيقَةُ تِلْكَ الغَسَقِ هُوَ غَسَقُ النُّورِ المَجَرَّدُ عَنْ صِفَاتِ الخَلْقِ.

وَقَالَ سَيِّدِي الشَّيْخُ يُوسُفُ عَلِيٌّ الخَطِيبُ بِشَرْحِهِ عَنِ النِّعَاجِ فَقَالَ: النَّعْجَةُ الكُبْرَى هِيَ الغَيْبَةُ وَهِيَ الذَّاتُ.

فَإِذًا كَانَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَمَا أَشْبَهَ ذٰلِكَ لَيْسَ لَهُمْ صُورَةٌ فِي الحَقِيقَةِ وَهُمْ مِنْ مَصْنُوعَاتِهِ؛ فَكَيْفَ لِذٰلِكَ المَشْهُودِ أَنْ يَكُونَ لَهُ صُورَةٌ ثَابِتَةٌ عَلَيْهِ وَهُوَ كُلَّ

ولنرجع إلى ما كنا عليه من معرفة الغسق، فالغسق صفة الليل والدجى صفة الغسق، والغسق دليل على ليل الصفات الباطنة، والدجى دليل على الصفات الظاهرة، أي يبطن بالصفات الحقيقية عن صفات الخلق فالرائي لا يقدر أن يصفه إلا باسم، وهذا الاسم واقع على هيئة أو صورة إن كانت باطنة أو ظاهرة ولم يدرك معناها، وهذه الصفات خالقة لا مخلوقة لقوله تعالى: ﴿صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عبدون﴾(1)، لم تكن العبادة للصبغة بل للمتجلي بتلك الصبغة، فالصبغة هي صفة الغسق وهي صورته التي لا مثال ولا شكل يضاهيها، وهي التي ماثل بها الخلق نورا وبشرا.

والليل هو الغيبة والقصد به الذات العالية، وحقيقة تلك الغسق هو غسق النور المجرد عن صفات الخلق.

وقال سيدي الشيخ يوسف علي الخطيب بشرحه عن النعاج فقال: النعجة الكبرى هي الغيبة وهي الذات.

فإذا كان الليل والنهار وما أشبه ذلك ليس لهم صورة في الحقيقة وهم من مصنوعاته؛ فكيف لذلك المشهود أن يكون له صورة ثابتة عليه وهو كل

الهوامش

1سورة البقرة: 138
الصفحة 152 من 169