كَانَتْ مُشَاهَدَةً فِي الأَقْطَارِ لَأَنَّ العَجْزَ وَالمُعْجِزَ لَاحِقٌ بِالمَخْلُوقِ لَا بِالخَالِقِ، وَلَوْ لَمْ يُظْهِرِ البَارِي العَجْزَ وَالمُعْجِزَ لَكَانَ عَاجِزًا وَمَا كَانَ سُمِّيَ قَادِرًا.
لِقَوْلِ العَالِمِ -عَزَّ عَزُّهُ- : «اللَّيْلُ مَثَلٌ عَلَى الغَيْبَةِ، وَالنَّهَارُ مِثْلٌ عَلَى الظُّهُورِ».
وَالغَسَقُ هُوَ شِدَّةُ إفْرَاطِ النُّورِ مِنْ حَيْثِنا، وَالنُّورُ مِنَ الجَوْهَرِ بَدُونِ تَبْعِيضٍ، وَالجَوْهَرُ لَيْسَ بِالَّيْلِ وَلَا نَهَارٍ وَلَا صُورَةٍ وَلَا مِثَالٍ، وَلَيْسَ لِلْقَائِلِ فِيهِ مَقَالٌ فِي بُطُونِهِ.
«يَفْتَقُ مِنْهُ المَشْرِقُ المَضِيَّا» هُوَ إِشْرَاقُ الضِّيَاءِ مِنَ النُّورِ، أَيْ مِنْ سُكُونِهِ إِلَى حَرَكَتِهِ وَإِغْرَابِهِ فِي الظِّلِّ القَدِيمِ مِنْ غَيْرِ إِدْرَاكٍ.
فَالَفَتْقُ هُوَ الظُّهُورُ التَّامُّ بِالحَقِيقَةِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.
لِقَوْلِ السَّيِّدِ أَبِي عَبْدِ اللّٰهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- : «بِمَفْهُومِ الرُّؤْيَةِ الَّتِي لَا تَكُونُ إِلَّا كَالرَّائِي» وَلِذٰلِكَ أَوْرَدَ التَّمْثِيلَ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ العِلَّةَ فِي النَّاظِرِ، لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ:
نَرَاهُ نُورًا مُمَثَّلًا أَبَدًا | لَيْسَ بِذِي أُفْلٍ وَلَا كَسْفِ |
كانت مشاهدة في الأقطار لأن العجز والمعجز لاحق بالمخلوق لا بالخالق، ولو لم يظهر الباري العجز والمعجز لكان عاجزا وما كان سمي قادرا.
لقول العالم -عز عزه- : «الليل مثل على الغيبة، والنهار مثل على الظهور».
والغسق هو شدة إفراط النور من حيثنا، والنور من الجوهر بدون تبعيض، والجوهر ليس باليل ولا نهار ولا صورة ولا مثال، وليس للقائل فيه مقال في بطونه.
«يفتق منه المشرق المضيا» هو إشراق الضياء من النور، أي من سكونه إلى حركته وإغرابه في الظل القديم من غير إدراك.
فالفتق هو الظهور التام بالحقيقة من غير زيادة ولا نقصان.
لقول السيد أبي عبد الله -رضي الله عنه- : «بمفهوم الرؤية التي لا تكون إلا كالرائي» ولذلك أورد التمثيل إشارة إلى أن العلة في الناظر، لأنه سبحانه ليس كمثله شيء:
نراه نورا ممثلا أبدا | ليس بذي أفل ولا كسف |




