مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

رُؤْيَةٌ فِيْ التَّوْحِيْدِ - حَبِيبُ عَبْدُ الله غَانِمٌ

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 148 من 169

المَعَايَنَةِ فِي صُورَةِ الوُجُودِ الغَيْبِ المَنِيعِ المَشْهُودِ مِنْ غَيْرِ إِدْرَاكٍ، فَالغَيْبُ المَشْهُودُ هُوَ اللَّيْلُ الَّذِي أَقْسَمَ اللّٰهُ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾(1) وَالغَسَقُ الدَّجِيُّ صِفَةُ تَجَلِّيهِ، وَسُمِّيَ غَيْبٌ بِمَعْنَى غَيْبَةِ الصِّفَاتِ عَنِ الذَّاتِ.

وَعِنْدَمَا نَقُولُ لَيْسَ غَيْبَةَ الذَّاتِ لِأَنَّ الذَّاتَ لَيْسَ لَهَا حِجَابٌ يَحْجُبُهَا عَنِ الرُّؤْيَةِ وَالمُشَاهَدَةِ، وَلَوْ كَانَ لَهَا حِجَابٌ لَكَانَ الحِجَابُ أَعْظَمَ مِنْهَا، وَلٰكِنْ صِفَاتُ الحَقِّ مِنْ أَجْلِ الخَلْقِ وَكُلُّ صِفَاتِ الحَقِّ كَمَالِيَّةٌ أَزَلِيَّةٌ، مِثْلُ العِلْمِ وَالقُدْرَةِ وَكُلُّ أَسْمَاءِ اللّٰهِ الحُسْنَى هِيَ أَسْمَاءٌ وَصِفَاتٌ لَهُ.

وَقَالَ العَالِمُ -عَزَّ عَزُّهُ- : «كُلُّ شَيْءٍ كَامِلٌ فِي غَيْرِهِ نَاقِصٌ فِي ذَاتِهِ».

فَالَحَدِيثُ يَدُلُّنَا أَنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ كَامِلٌ بِغَيْرِهِ أَيْ بِصِفَاتِ الحَقِّ لِقَوْلِ القَائِلِ: «مَا تَمَّ الكَمَالُ إِلَّا لِلّٰهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى»، وَنَحْنُ نَتَحَلَّى بِصِفَاتِ الحَقِّ وَهُوَ أَجَلُّ مِنْهَا، فَهِيَ تَمَدَّنَا بِالقُدْرَةِ المَطْلَقَةِ وَالعِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ بِاللّٰهِ -عَزَّ عَزُّهُ- ، فَكَمَالُ المَخْلُوقِ مِنْ صِفَاتِ الخَالِقِ، وَصِفَةُ الغَسَقِ صِفَةٌ كَمَالِيَّةٌ مِنْ حَيْثُ المُتَجَلِّي بِهَا مُطْلَقَةٌ لِلْحَقِّ، وَلَمْ يَصِلِ المَخْلُوقُ إِلَى كُنْهِ المَعْرِفَةِ بِهَا لِأَنَّهَا بَاطِنَةٌ، وَلَوْ

المعاينة في صورة الوجود الغيب المنيع المشهود من غير إدراك، فالغيب المشهود هو الليل الذي أقسم الله به بقوله: ﴿واليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى﴾(1) والغسق الدجي صفة تجليه، وسمي غيب بمعنى غيبة الصفات عن الذات.

وعندما نقول ليس غيبة الذات لأن الذات ليس لها حجاب يحجبها عن الرؤية والمشاهدة، ولو كان لها حجاب لكان الحجاب أعظم منها، ولكن صفات الحق من أجل الخلق وكل صفات الحق كمالية أزلية، مثل العلم والقدرة وكل أسماء الله الحسنى هي أسماء وصفات له.

وقال العالم -عز عزه- : «كل شيء كامل في غيره ناقص في ذاته».

فالحديث يدلنا أن كل مخلوق كامل بغيره أي بصفات الحق لقول القائل: «ما تم الكمال إلا لله سبحانه وتعالى»، ونحن نتحلى بصفات الحق وهو أجل منها، فهي تمدنا بالقدرة المطلقة والعلم والمعرفة بالله -عز عزه- ، فكمال المخلوق من صفات الخالق، وصفة الغسق صفة كمالية من حيث المتجلي بها مطلقة للحق، ولم يصل المخلوق إلى كنه المعرفة بها لأنها باطنة، ولو

الهوامش

1سورة الليل: 1-2
الصفحة 148 من 169