مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

رُؤْيَةٌ فِيْ التَّوْحِيْدِ - حَبِيبُ عَبْدُ الله غَانِمٌ

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 144 من 169

وَتَغْرِيدَ الحَمَامِ وَقَالُوا: لَوْ أَنَّهُ دَخَلَ هُنَا لَتَخَرَّقَ بَيْتُ العَنْكَبُوتِ وَرَجَعُوا خَائِبِينَ.

فَمُشْرِكِي قُرَيْشٍ هُمُ القُوَى النَّفْسِ الأَمَّارَةِ بِالسَّوءِ يَقْتَفُونَ أَثَرَ القُوَى العَقْلِيَّةِ الرُّوحَانِيَّةِ فِي غَارِ البَدَنِ، فَعِنْدَمَا وَصَلُوا إِلَى البَرْزَخِ القَائِمِ بَيْنَ اللَّطِيفِ وَالكَثِيفِ وَقَفُوا عِنْدَهَا فَوَجَدُوا نَسْجَ العَنْكَبُوتِ وَهِيَ الحُجُبُ القَائِمَةُ بَيْنَ اللَّطِيفِ وَالكَثِيفِ وَالَّتِي لَمْ يَسْتَطِيعُوا دُخُولَهَا لِأَنَّهُمْ قَائِمُونَ فِي وَهْمِ العَدَمِيَّةِ الَّتِي لَا حَقِيقَةَ لَهَا، وَإِبْلِيسُ عَدَمٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ إِلَّا فِي التَّرَاكِيبِ.

لِقَوْلِ العَالِمِ -عَزَّ عَزُّهُ- : «إِنَّ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللّٰهُ ظَاهِرٌ فِي التَّرَاكِيبِ، بَاطِنٌ فِي المَعْرِفَةِ»، وَقَالَ أَيْضًا فِي كِتَابِ الأَظْلِلَةِ عَنْ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللّٰهُ: «هُوَ رُوحٌ بِلَا بَدَنٍ لَا إِلَى السَّمَاءِ مَرْفُوعًا وَلَا إِلَى الأَرْضِ مَهْبُوطًا بَلْ هُوَ قَائِمٌ فِي الهَوَاءِ وَالرَّبُّ مُحْتَجِبٌ عَنْهُ وَالأَرْوَاحُ نُورَانِيَّهٌ فِي الأَبْدَانِ وَهِيَ تُضِيءُ ضِيَاءً فَلَمْ يَعْرِفْ إِبْلِيسُ كَيْفَ اِبْتَدَأَ الخَلْقُ وَالعَالَمُ وَلَا كَيْفَ ظَهَرُوا وَلَا مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خُلِقُوا».

وَأَمَّا نَسْجُ العَنْكَبُوتِ عِنْدَ أَهْلِ التَّوْحِيدِ لَهُ إِشَارَةٌ عُلوِيَّةٌ يَلْمَحُهَا العَارِفُ فِي غَارِ النُّورِ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ مِزَاجٌ وَلَا يَجِدُ إِلَّا اللَّطَائِفَ النُّورَانِيَّةَ وَالمِزَاجَ بِنَا وَعَلَيْنَا عَائِدٌ مِنْ حَيْثُ الحِسِّ الظَّاهِرِ.

وتغريد الحمام وقالوا: لو أنه دخل هنا لتخرق بيت العنكبوت ورجعوا خائبين.

فمشركي قريش هم القوى النفس الأمارة بالسوء يقتفون أثر القوى العقلية الروحانية في غار البدن، فعندما وصلوا إلى البرزخ القائم بين اللطيف والكثيف وقفوا عندها فوجدوا نسج العنكبوت وهي الحجب القائمة بين اللطيف والكثيف والتي لم يستطيعوا دخولها لأنهم قائمون في وهم العدمية التي لا حقيقة لها، وإبليس عدم لا حقيقة له إلا في التراكيب.

لقول العالم -عز عزه- : «إن إبليس لعنه الله ظاهر في التراكيب، باطن في المعرفة»، وقال أيضا في كتاب الأظللة عن إبليس لعنه الله: «هو روح بلا بدن لا إلى السماء مرفوعا ولا إلى الأرض مهبوطا بل هو قائم في الهواء والرب محتجب عنه والأرواح نورانيه في الأبدان وهي تضيء ضياء فلم يعرف إبليس كيف ابتدأ الخلق والعالم ولا كيف ظهروا ولا من أي شيء خلقوا».

وأما نسج العنكبوت عند أهل التوحيد له إشارة علوية يلمحها العارف في غار النور لأنه ليس هناك مزاج ولا يجد إلا اللطائف النورانية والمزاج بنا وعلينا عائد من حيث الحس الظاهر.

الصفحة 144 من 169