فَعِنْدَ ذٰلِكَ خَرَجَ رَسُولُ اللّٰهِ -عَزَّ عَزُّهُ- مِنَ الغَارِ وَهَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ بِسَفِينَتِهِ وَهِيَ سَفِينَةُ النَّجَاةِ مَعَ رَهْطِهِ المَيَامِينِ بَنُو هَاشِمٍ، وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فَحَدَّثَ المُشْرِكِينَ بِخَبَرِهِ وَمَسِيرِهِ مَعَ رَسُولِ اللّٰهِ، فَخُرُوجُ رَسُولِ اللّٰهِ -عَزَّ عَزُّهُ- مِنَ الغَارِ هُوَ خُرُوجُ العَقْلِ مِنْ تَحْتِ قَيْدِ النَّفْسِ وَأَوَامِرِهَا المَقَيَّدَةِ أَحْيَانًا وَمَيْلِهَا إِلَى المِزَاجِ مِنْ أَجْلِ مَلَذَّاتِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَالهِجْرَةُ إِلَى المَدِينَةِ: أَيْ إِلَى مَدِينَةِ القَلْبِ المُنَوَّرَةِ بِالفَيْضِ وَالمَعْرِفَةِ المُنْشَرِقَةِ مِنَ اللّٰهِ إِلَى هٰذَا العَبْدِ المُخْلِصِ بِيَقِينِهِ إِلَىْ رَبِّهِ فَقَضَى نَحْبَهُ وَاسْتَخْلَصَ مِنْ قَيْدِ الأَثَرِ وَالطَّبِيعَةِ المِزَاجِيَّةِ وَرَسُولِ اللّٰهِ -عَزَّ عَزُّهُ- يَجِلُّ عَنْ ذٰلِكِ كُلِّهِ.
وَهِجْرَةُ العَقْلِ عِنْدَ العَبْدِ هِيَ هِجْرَةُ مِعْرَاجِهِ مِنَ الصِّفَاتِ إِلَى الذَّاتِ وَيَكُونُ خُضُوعُهُ تَحْتَ أَوَامِرِ الَرُّوحِ الرُّوحَانِيَّةِ المَطْلَقَةِ، فَيَكُونُ قَدْ وَصَلَ بِجِدِّهِ وَعَمَلِهِ وَمَعْرِفَتِهِ إِلَى مَدِينَةِ القُدْسِ المُنَوَّرَةِ وَهُوَ المَسْمَى عَالَمَ الشَّرِيفِ اللَّطِيفِ، وَعِنْدَ ذٰلِكَ لَمْ يُشَاهِدْ فِي الكَوْنِ إِلَّا اللّٰهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَأَفْعَالِهِ وَصِفَاتِهِ وَهِيَ مُشَاهَدَةُ ذَاتِ المَخْلُوقِ لِذَاتِ الخَالِقِ مِنْ غَيْرِ اِنْفِصَالٍ وَلَا اِتِّصَالٍ، فَالَعَبْدُ عَبْدٌ وَالَرَّبُّ رَبٌّ.
وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
وَالحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ العَالَمِينَ
فعند ذلك خرج رسول الله -عز عزه- من الغار وهاجر إلى المدينة بسفينته وهي سفينة النجاة مع رهطه الميامين بنو هاشم، وخرج أبو بكر فحدث المشركين بخبره ومسيره مع رسول الله، فخروج رسول الله -عز عزه- من الغار هو خروج العقل من تحت قيد النفس وأوامرها المقيدة أحيانا وميلها إلى المزاج من أجل ملذات الحياة الدنيا، والهجرة إلى المدينة: أي إلى مدينة القلب المنورة بالفيض والمعرفة المنشرقة من الله إلى هذا العبد المخلص بيقينه إلى ربه فقضى نحبه واستخلص من قيد الأثر والطبيعة المزاجية ورسول الله -عز عزه- يجل عن ذلك كله.
وهجرة العقل عند العبد هي هجرة معراجه من الصفات إلى الذات ويكون خضوعه تحت أوامر الروح الروحانية المطلقة، فيكون قد وصل بجده وعمله ومعرفته إلى مدينة القدس المنورة وهو المسمى عالم الشريف اللطيف، وعند ذلك لم يشاهد في الكون إلا الله سبحانه وتعالى، وأفعاله وصفاته وهي مشاهدة ذات المخلوق لذات الخالق من غير انفصال ولا اتصال، فالعبد عبد والرب رب.
وفوق كل ذي علم عليم
والحمد لله رب العالمين




