مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

رُؤْيَةٌ فِيْ التَّوْحِيْدِ - حَبِيبُ عَبْدُ الله غَانِمٌ

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 142 من 169

المَدِينَةِ عَنْ مَكَّةَ»، فَقَالَ رَسُولُ اللّٰهِ -عَزَّ عَزُّهُ- : «إِنِّي أُرِيكَ مَا رَأَيْتُ يَا أَبَا بَكْرٍ حَتَّى تُصَدِّقَنِي» وَمَسَحَ يَدَهُ عَلَى بَصَرِهِ وَقَالَ: «أُنْظُرْ يَا أَبَا بَكْرٍ».

فَرُؤْيَةُ رَسُولِ اللّٰهِ -عَزَّ عَزُّهُ- هِيَ كَشْفُ الحَقِيقَةِ الَّتِي لَا طَاقَةَ لِلْخَلْقِ النَّظَرُ إِلَيْهَا إِلَّا عَلَى قَدَرٍ، أَمَّا عِنْدَ العَارِفِ هِيَ رَفْعُ الحِجَابِ الظَّلْمِيِّ عَنْهُ بَعْدَ قَطْعِ الصِّرَاطِ وَالخُطُوطِ الوَهْمِيَّةِ الخَيَالِيَّةِ عَنْهُ حَيْثُ لَمْ يَبْقَ أَمَامَهُ إِلَّا الحَقِيقَةُ وَالمُشَاهَدَةُ الدَّائِمَةُ الحَقِّيَّةُ، وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ لَهُ: «تَرَاهُمْ وَأَنْتَ فِي هٰذَا الغَارِ وَالظُّلْمَةِ» أَيْ غَارِ البَدَنِ، قَالَ لَهُ: «نَعَمْ»، وَهٰذَا وَاقِعٌ عَلَيْنَا، وَإِنَّ المُؤْمِنَ العَارِفَ بِاللّٰهِ وَهُوَ فِي هٰذَا البَدَنِ الحِسِّيِّ يُشَاهِدُ الأَنْوَارَ المَجَرَّدَةَ اللَّطِيفَةَ عِنْدَ شَفَافِيَّتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِاللّٰهِ وَغَابَ عَنْهُ ظُلْمَةُ الجَهْلِ المُرَكَّبِ إِلَى نُورِ العَقْلِ البَسِيطِ.

وَقَوْلُهُ لِأَبِي بَكْرٍ: «إِنِّي أُرِيكَ مَا رَأَيْتُ» مِنْ قُدْرَةِ اللّٰهِ وَعَظَمَتِهِ، وَمَسَحَ يَدَهُ عَلَى بَصَرِهِ، فَالَيَدُ هِيَ المَدَدُ الحَاصِلُ مِنَ اللَّطِيفِ إِلَى الكَثِيفِ، وَهِيَ القُوَّةُ الفَاعِلَةُ فِي هٰذَا الوُجُودِ بِقُدْرَةِ مُوجِدِهَا.

فَعِنْدَمَا رَأَى أَبُو بَكْرٍ ذٰلِكَ فَفَزِعَ وَرَعِبَ وَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللّٰهِ لَا طَاقَةَ لِي بِالنَّظَرِ إِلَى مَا رَأَيْتُهُ»، فَهُنَا المِزَاجُ وَالقُوَى الحِسِّيَّةُ لَا تَسْتَطِيعُ رُؤْيَةَ الأَنْوَارِ اللَّطِيفَةِ، لِأَنَّهَا لَا نُورَ لَهَا، أَيْ لَا مَعْرِفَةَ لَهَا إِلَّا بِقُوَاهَا الحِسِّيَّةِ الفَانِيَةِ، وَهِيَ العَدَمِيَّةُ الَّتِي لَا اِسْتِطَاعَةَ لَهَا إِلَّا مِنْ قِبَلِ الجَوَاهِرِ العَقْلِيَّةِ المُمِدَّةِ لَهَا، وَنُورَانِيَّتُهَا

المدينة عن مكة»، فقال رسول الله -عز عزه- : «إني أريك ما رأيت يا أبا بكر حتى تصدقني» ومسح يده على بصره وقال: «أنظر يا أبا بكر».

فرؤية رسول الله -عز عزه- هي كشف الحقيقة التي لا طاقة للخلق النظر إليها إلا على قدر، أما عند العارف هي رفع الحجاب الظلمي عنه بعد قطع الصراط والخطوط الوهمية الخيالية عنه حيث لم يبق أمامه إلا الحقيقة والمشاهدة الدائمة الحقية، وقول أبي بكر له: «تراهم وأنت في هذا الغار والظلمة» أي غار البدن، قال له: «نعم»، وهذا واقع علينا، وإن المؤمن العارف بالله وهو في هذا البدن الحسي يشاهد الأنوار المجردة اللطيفة عند شفافيته ومعرفته بالله وغاب عنه ظلمة الجهل المركب إلى نور العقل البسيط.

وقوله لأبي بكر: «إني أريك ما رأيت» من قدرة الله وعظمته، ومسح يده على بصره، فاليد هي المدد الحاصل من اللطيف إلى الكثيف، وهي القوة الفاعلة في هذا الوجود بقدرة موجدها.

فعندما رأى أبو بكر ذلك ففزع ورعب وقال: «يا رسول الله لا طاقة لي بالنظر إلى ما رأيته»، فهنا المزاج والقوى الحسية لا تستطيع رؤية الأنوار اللطيفة، لأنها لا نور لها، أي لا معرفة لها إلا بقواها الحسية الفانية، وهي العدمية التي لا استطاعة لها إلا من قبل الجواهر العقلية الممدة لها، ونورانيتها

الصفحة 142 من 169