«وَفَالِقِ الحَبَّةِ وَبَارِئِ النَّسَمَةِ مَا يَكُونُ إِلَّا مَا يُرِيدُ اللّٰهُ» أَيْ هٰكَذَا قَضَتْ مَشِيئَةُ اللّٰهِ وَإِرَادَتُهُ فِي هٰذَا الكَوْنِ مِنْ أَجْلِ عِمَارَةِ الدَّارِ حَتَّى يَقُومَ مِيزَانُ العَدْلِ فِي كَفَّتَيِ المِيزَانِ، حَقٌّ وَخَلْقٌ، خَيْرٌ وَشَرٌّ، وَحَقٌّ وَبَاطِلٌ.
وَقَوْلُ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ لِجَبْرَئِيلَ: «لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللّٰهَ مَعَنَا»، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ﴾(1).
فَالحُزْنُ هُنَا: إِشَارَةٌ إِلَى الاِسْتِتَارِ وَالتَّحَجُّبِ، وَاللّٰهُ مَعَنَا هُوَ المَعْنَى القَدِيمُ الَّذِي لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ وَلَا يُقَيِّدُهُ زَمَانٌ،
﴿فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾(2)، فَالَسَّكِينَةُ هُوَ الفَيْضُ وَالمَدَدُ مِنَ المَعْنَى عَلَى اِسْمِهِ وَمِنَ الاِسْمِ عَلَى البَابِ وَمِنَ البَابِ الَّذِي هُوَ بَابُ العِلْمِ عَلَى جَمِيعِ العَوَالِمِ القُدْسِيَّةِ حَتَّى عَالَمِ الإِقْرَارِ.
ثُمَّ قَالَ السَّيِّدُ الرَّسُولُ -عَزَّ عَزُّهُ- : «يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنِّي أَرَى عَلِيًّا وَخَدِيجَةَ وَمُشْرِكِي قُرَيْشٍ، وَخِطَابُ عَلِيٍّ لَهُمْ، وَسَفِينَةَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمَنْ مَعَهُ تَعُومُ فِي البَحْرِ، وَأَرَى الرَّهْطَ مِنَ الأَنْصَارِ مِجْلِبِينَ فِي المَدِينَةِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «وَتَرَاهُمْ يَا رَسُولَ اللّٰهِ وَأَنْتَ فِي هٰذَا الغَارِ وَالظُّلْمَةِ وَمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ مِنْ بَعْدِ
«وفالق الحبة وبارئ النسمة ما يكون إلا ما يريد الله» أي هكذا قضت مشيئة الله وإرادته في هذا الكون من أجل عمارة الدار حتى يقوم ميزان العدل في كفتي الميزان، حق وخلق، خير وشر، وحق وباطل.
وقول سيدنا محمد لجبرئيل: «لا تحزن إن الله معنا»، وقوله تعالى: ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصحبه لا تحزن إن الله معنا﴾(1).
فالحزن هنا: إشارة إلى الاستتار والتحجب، والله معنا هو المعنى القديم الذي لا يخلو منه مكان ولا يقيده زمان،
﴿فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين﴾(2)، فالسكينة هو الفيض والمدد من المعنى على اسمه ومن الاسم على الباب ومن الباب الذي هو باب العلم على جميع العوالم القدسية حتى عالم الإقرار.
ثم قال السيد الرسول -عز عزه- : «يا أبا بكر، إني أرى عليا وخديجة ومشركي قريش، وخطاب علي لهم، وسفينة جعفر بن أبي طالب ومن معه تعوم في البحر، وأرى الرهط من الأنصار مجلبين في المدينة»، فقال أبو بكر: «وتراهم يا رسول الله وأنت في هذا الغار والظلمة وما بينك وبينهم من بعد




