مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

رُؤْيَةٌ فِيْ التَّوْحِيْدِ - حَبِيبُ عَبْدُ الله غَانِمٌ

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 133 من 169

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَنَقَّبُوا۟ فِى ٱلۡبِلَٰدِ هَلۡ مِن مَّحِيصٍ﴾(1)، وَالبِلَادُ هُمُ المُؤْمِنُونَ، وَأَنَّ لِهٰؤُلَاءِ المُؤْمِنِينَ سِرْدَابًا لَطِيفًا قَائِمًا بِبَدَنٍ نُورَانِيٍّ قَبْلَ المِزَاجِ وَمَعَ المِزَاجِ، وَهُوَ البَيْتُ المَوْضُوعُ بِبَكَّةَ الَّذِي مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا مِنَ الخَوْفِ.

وَالأَذَانُ فِي ذٰلِكَ البَيْتِ هُوَ إِعْلَانُ الشَّهَادَةِ البَاطِنَةِ وَحَقِيقَتِهَا: أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللّٰهِ -عَزَّ عَزُّهُ- ، وَإِشَارَتُهَا إِلَى الحَاضِرِ المَوْجُودِ المَعْنَى المَعْبُودِ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَهَا فِي حَقِيقَتِهَا عَبْدُ اللّٰهِ المَوْجُودُ فِي كُلِّ مَكَانٍ سِوَى تَقْيِيدِ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، وَأَوَّلُ مَنْ نَطَقَ بِهَا هُوَ الاِسْمُ وَشَهِدَ بِهَا إِلَى مَوْلَاهُ الأَزَلِ القَدِيمِ، وَشَهِدَ البَابُ عَلَى شَهَادَةِ الاِسْمِ، ثُمَّ شَهِدُوا العَوَالِمَ القُدْسِيَّةَ عَلَى شَهَادَةِ البَابِ.

فَمَكَّةُ هِيَ الصُّورَةُ البَاطِنَةُ القَائِمَةُ بِالجَوَاهِرِ، وَهِيَ عِنْدَ المُؤْمِنِ صُورَةٌ جُزْئِيَّةٌ مِنْ غَيْرِ تَجَزِّي، مُفَاضَةٌ عَنِ الصُّورَةِ الكُلِّيَّةِ الَّتِي خَلَقَهَا اللّٰهُ عَلَى مِثَالِ صُورَتِهِ، وَأَجْرَى فِيهَا جَمِيعَ الأَسْمَاءِ الإِلٰهِيَّةِ مِنَ اللَّطَائِفِ وَالأَسْرَارِ الَّتِي تَحْمِلُهَا تِلْكَ الصُّورَةُ البَاطِنَةُ، وَأُمْتُحِنَ المُؤْمِنُ بِتِلْكَ الصُّورَةِ فَأَجَابَ فِي الحُجُبِ البَاطِنَةِ النُّورَانِيَّةِ فِي عَالَمِ العَقْلِ المُجَرَّدِ، وَعِنْدَ وُقُوعِ الاِمْتِزَاجِ وَالاِخْتِبَارِ

وقوله تعالى: ﴿فنقبوا فى البلد هل من محيص﴾(1)، والبلاد هم المؤمنون، وأن لهؤلاء المؤمنين سردابا لطيفا قائما ببدن نوراني قبل المزاج ومع المزاج، وهو البيت الموضوع ببكة الذي من دخله كان آمنا من الخوف.

والأذان في ذلك البيت هو إعلان الشهادة الباطنة وحقيقتها: أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله -عز عزه- ، وإشارتها إلى الحاضر الموجود المعنى المعبود؛ لأن من قالها في حقيقتها عبد الله الموجود في كل مكان سوى تقييد الشيء بالشيء، وأول من نطق بها هو الاسم وشهد بها إلى مولاه الأزل القديم، وشهد الباب على شهادة الاسم، ثم شهدوا العوالم القدسية على شهادة الباب.

فمكة هي الصورة الباطنة القائمة بالجواهر، وهي عند المؤمن صورة جزئية من غير تجزي، مفاضة عن الصورة الكلية التي خلقها الله على مثال صورته، وأجرى فيها جميع الأسماء الإلهية من اللطائف والأسرار التي تحملها تلك الصورة الباطنة، وأمتحن المؤمن بتلك الصورة فأجاب في الحجب الباطنة النورانية في عالم العقل المجرد، وعند وقوع الامتزاج والاختبار

الهوامش

1سورة ق: 36
الصفحة 133 من 169