مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

رُؤْيَةٌ فِيْ التَّوْحِيْدِ - حَبِيبُ عَبْدُ الله غَانِمٌ

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 129 من 169

وَلَقَدْ أَطْلَقَ عَلَيْهَا المُوَحِّدُونَ (بِالأَعْيَانِ الثَّابِتَةِ)، وَفَاضَ مِنْ إِشْرَاقِهَا عَلَى الكَائِنَاتِ، فَهِيَ مُوَكَّلَةٌ بِهَا وَعَلَيْهَا بِأَمْرٍ مِنْ مَوْلَاهَا العَالِمِ بِهَا وَالمُقَدِّرِ لَهَا، حَيْثُ أَجْرَى هٰذَا الِاخْتِبَارَ عَلَى المَخْلُوقِينَ، وَعَلَيْهَا أَجْرَى التَّحَجُّبَ وَالإِسْتِتَارَ فِي هٰذِهِ الأَكْوَانِ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُمْ بِحِجَابِهِمْ مِنْ أَجْلِ المُؤَانَسَةِ لِيَفْهَمُوا عَنْهُ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، وَلِيَعْلَمُوا أَنَّهُ الحَقُّ تَعَالَى بِإِظْهَارِهِ لَهُمُ المَعَاجِزَ وَالقُدَرَ.

لِقَوْلِ مَوْلَانَا عَلِيٍّ الرِّضَا -عَزَّ عَزُّهُ- : «إِنَّ الَّذِي عَاَيَنْتُمُوهُ بِأَبْصَارِكُمْ مِنَ الصُّورَةِ هُوَ اللّٰهُ بِإِضَافَتِهِ إِلَى القُدْرَةِ، وَلَيْسَ هُوَ اللّٰهُ بِإِضَافَتِهِ إِلَى الصُّورَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَتْ تِلْكَ القُدْرَةُ قُدْرَتَهُ لَيْسَتْ تِلْكَ الصُّورَةُ صُورَتَهُ عَلَى الحَقِيقَةِ».

وَإِنَّ اللّٰهَ وَلَهُ الحَمْدُ أَوَّلُ مَنْ بَعَثَ لِعَالَمِنَا البَشَرِيِّ هُوَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ -عَزَّ عَزُّهُ- ، وَهُوَ العَقْلُ الأَوَّلُ المَبْتَدَعُ مِنَ الذَّاتِ، وَأَظْهَرَهُ عَلَى مِثَالِ صُورَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: «إِنَّ اللّٰهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى مِثَالِ صُورَتِهِ»، ثُمَّ أَجْرَى فِيهِ حِكْمَتَهُ، وَأَمَرَ الخَلَائِقَ بِطَاعَتِهِ، وَهُوَ الكَوْنُ السَّابِعُ الَّذِي عَرَّفَ عَنْهُ سَيِّدُنَا الشَّيْخُ أَحْمَدُ بِقِرْفَاصٍ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- فِي أَحَدِ مَسَائِلِهِ بِقَوْلِهِ:

إنَّ المُحَرِّكَ لِلْعَالَمِ وَجَمِيعِ الحَيَوَانَاتِ وَسَبَبِ نَطْقِ المُؤْمِنِ وَالكَافِرِ هُوَ الكَوْنُ السَّابِعُ الَّذِي هُوَ قُدْسُ المَعْرِفَةِ، وَمَوْقِعُ كُلِّ صِفَةٍ الَّذِي يُحِقُّ اللّٰهُ بِهِ الحَقَّ وَيُبْطِلُ بِهِ البَاطِلَ، القَائِمُ عَلَى وُجُودِ العَالَمِ بِأَسْرِهِ، وَهُوَ العَقْلُ فِي هُوِيَّةِ الوُجُودِ

ولقد أطلق عليها الموحدون (بالأعيان الثابتة)، وفاض من إشراقها على الكائنات، فهي موكلة بها وعليها بأمر من مولاها العالم بها والمقدر لها، حيث أجرى هذا الاختبار على المخلوقين، وعليها أجرى التحجب والإستتار في هذه الأكوان، ثم ظهر لهم بحجابهم من أجل المؤانسة ليفهموا عنه أمره ونهيه، وليعلموا أنه الحق تعالى بإظهاره لهم المعاجز والقدر.

لقول مولانا علي الرضا -عز عزه- : «إن الذي عاينتموه بأبصاركم من الصورة هو الله بإضافته إلى القدرة، وليس هو الله بإضافته إلى الصورة؛ لأن من كانت تلك القدرة قدرته ليست تلك الصورة صورته على الحقيقة».

وإن الله وله الحمد أول من بعث لعالمنا البشري هو سيدنا محمد -عز عزه- ، وهو العقل الأول المبتدع من الذات، وأظهره على مثال صورته لقوله تعالى: «إن الله خلق آدم على مثال صورته»، ثم أجرى فيه حكمته، وأمر الخلائق بطاعته، وهو الكون السابع الذي عرف عنه سيدنا الشيخ أحمد بقرفاص -قدسه الله- في أحد مسائله بقوله:

إن المحرك للعالم وجميع الحيوانات وسبب نطق المؤمن والكافر هو الكون السابع الذي هو قدس المعرفة، وموقع كل صفة الذي يحق الله به الحق ويبطل به الباطل، القائم على وجود العالم بأسره، وهو العقل في هوية الوجود

الصفحة 129 من 169