مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

رُؤْيَةٌ فِيْ التَّوْحِيْدِ - حَبِيبُ عَبْدُ الله غَانِمٌ

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 128 من 169

فَهٰذَا القَوْلُ حَدِيثُ أَهْلِ الظَّاهِرِ، يَقُولُونَ كَانَ لَهُ سِرْدَابٌ تَحْتَ الأَرْضِ وَنَحْنُ نُوَضِّحُ بِالإِشَارَةِ البَاطِنَةِ عِنْدَ كُلِّ مُوَحِّدٍ، وَلَقَدْ وَرَدَ خَبَرٌ فِي "كِتَابِ التَّجْرِيدِ فِي البَابِ السَّادِسِ صَفْحَةِ 451" عَنِ النَّبِيِّ -عَزَّ عَزُّهُ- : «كَانَ يَجْتَمِعُ عِنْدَهُ نَفَرٌ يَسِيرٌ، وَكَانَ لَهُمْ مَكَانٌ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ تَحْتَ الأَرْضِ، وَكَانَ المُؤَذِّنُ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ الشَّنَوِيُّ، وَذٰلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ».

فَالدَّعْوَةُ إِشَارَةٌ إِلَى السِّرِّ البَاطِنِ المَخْزُونِ المَكْنُونِ عِنْدَ أَهْلِهِ الَّتِي حَذَّرَتْ عَنهُ الرُّسُلُ وَالأَنْبِيَاءُ وَأَهْلُ الخَاصَّةِ، وَكِتْمَانُهُ إِلَّا عَنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ أَتَوْا بِهِ سِرًّا وَرَمْزًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ زَكَرِيَّا؛ قَالَ: ﴿رَبِّ ٱجۡعَل لِّىٓ ءَايَةً ۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمۡزًا﴾(1)، وَقَالَ سَيِّدُنَا نُوحٌ -عَزَّ عَزُّهُ- ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ إِنِّى دَعَوۡتُهُمۡ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّىٓ أَعۡلَنتُ لَهُمۡ وَأَسۡرَرۡتُ لَهُمۡ إِسۡرَارًا﴾(2).

وَهُوَ السِّرُّ البَاطِنُ، فَأَوَّلُ الدَّعْوَةِ هُوَ الفَيْضُ المُشْرِقُ مِنْ سَبَحَاتِ الجَلَالِ الكُنْهُورِيِّ عَلَى الآفَاقِ سَمَاءً وَأَرْضًا، وَفَاضَ عَلَى الكَوْنِ كُلِّ كَوْنٍ كَكَوْنِهِ، وَجَعَلَ لِكُلِّ كَوْنٍ مِنْ هٰذِهِ الأَكْوَانِ صُورَةً دَائِمَةً، ثُمَّ تَجَلَّى الحَقُّ سُبْحَانَهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِصُورَةِ ذٰلِكَ الكَوْنِ، وَجَعَلَهَا دَائِمَةَ الوُجُودِ بِدَوَامِ مُبْدِيهَا.

فهذا القول حديث أهل الظاهر، يقولون كان له سرداب تحت الأرض ونحن نوضح بالإشارة الباطنة عند كل موحد، ولقد ورد خبر في "كتاب التجريد في الباب السادس صفحة 451" عن النبي -عز عزه- : «كان يجتمع عنده نفر يسير، وكان لهم مكان يجتمعون فيه تحت الأرض، وكان المؤذن بلال بن رباح الشنوي، وذلك قبل الهجرة».

فالدعوة إشارة إلى السر الباطن المخزون المكنون عند أهله التي حذرت عنه الرسل والأنبياء وأهل الخاصة، وكتمانه إلا عن أهله، ثم أتوا به سرا ورمزا، لقوله تعالى على لسان زكريا؛ قال: ﴿رب اجعل لى ءاية قال ءايتك ألا تكلم الناس ثلثة أيام إلا رمزا﴾(1)، وقال سيدنا نوح -عز عزه- ، قوله تعالى: ﴿ثم إنى دعوتهم جهارا * ثم إنى أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا﴾(2).

وهو السر الباطن، فأول الدعوة هو الفيض المشرق من سبحات الجلال الكنهوري على الآفاق سماء وأرضا، وفاض على الكون كل كون ككونه، وجعل لكل كون من هذه الأكوان صورة دائمة، ثم تجلى الحق سبحانه لكل واحد منها بصورة ذلك الكون، وجعلها دائمة الوجود بدوام مبديها.

الهوامش

1سورة آل عمران: 41
2سورة نوح: 8-9
الصفحة 128 من 169