صَمَتَ وَسُمِّيَ البَيْتُ مِنْ ذٰلِكَ الوَقْتِ بَيْتُ اللّٰهِ الحَرَامُ، وَمَنْ أَرَادَ الحَدِيثَ بِتَمَامِهِ يَرْجِعُ إِلَى الرِّسَالَةِ "المِصْرِيَّةِ - بَابُ 6".
تَأَمَّلْ يَا أَخِي إِلَى هٰذَا الحَدِيثِ الَّذِي يَعْتَرِفُ بِهِ جَمِيعُ الخَلْقِ مِنْ مُؤَالِفٍ وَمُخَالِفٍ، هٰكَذَا كَانَتْ وِلَادَتُهُ فِي الظَّاهِرِ.
وَأَمَّا فِي البَاطِنِ فَأَخَذَ ثَلَاثَ مَوَاقِعَ مِنَ الصِّفَاتِ (صَمْتٍ وَنَطْقٍ وَقُدْرَةٍ)، وَهٰذَا هُوَ الحَدِيثُ الَّذِي جَرَى مَعَ زَادَانَ، وَالحَرَامُ بِمَعْنَى المُنَزَّهِ.
فَمَوْقِعُ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ أَخَذَ صِفَةَ الصَّمْتِ، وَالنَّطْقِ، وَالبَيْتُ أَخَذَ صِفَةَ القُدْرَةِ.
وَهُمْ فِي العِرْفَانِ الفِقْهِيِّ بِإِزَاءِ: (نَفْسٍ، عَقْلٍ، قَلْبٍ)، وَلِذٰلِكَ كَانَ الهُبُوطٌ مِنْ سَمَاءِ العَقْلِ إِلَى سَمَاءِ النَّفْسِ، وَكَمَا قَالَ اللّٰهُ سُبْحَانَهُ فِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: «لَا سَمَاءٌ وَلَا أَرْضٌ تَسَعَنِيْ، وَلَا يَسَعَنِيْ إِلَّا قَلْبُ عَبْدِيَ المُؤْمِنِ، لِأَنَّ قَلْبَ عَبْدِي المُؤْمِنِ حَرَمِي، وَحَرَامٌ عَلَى حَرَمِي أَنْ يَسْكُنَهُ غَيْرِي»، فَالنَّطْقُ هُوَ لحَاجَةُ الخَلْقِ إِلَيْهِ وَلَمْ يَكُنِ النَّطْقُ إِلَّا مِنْ صُورَةٍ لِقَوْلِ السَّائِلِ لِلْعَالِمِ: «كَيْفَ صَارَتْ لَهُ صُورَةٌ؟ قَالَ: لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا؛ كَحَاجَتِهِمْ إِلَى الكَلَامِ، لِأَنَّهُ لَا كَلَامَ إِلَّا مِنْ صُورَةٍ».
صمت وسمي البيت من ذلك الوقت بيت الله الحرام، ومن أراد الحديث بتمامه يرجع إلى الرسالة "المصرية - باب 6".
تأمل يا أخي إلى هذا الحديث الذي يعترف به جميع الخلق من مؤالف ومخالف، هكذا كانت ولادته في الظاهر.
وأما في الباطن فأخذ ثلاث مواقع من الصفات (صمت ونطق وقدرة)، وهذا هو الحديث الذي جرى مع زادان، والحرام بمعنى المنزه.
فموقع الصفا والمروة أخذ صفة الصمت، والنطق، والبيت أخذ صفة القدرة.
وهم في العرفان الفقهي بإزاء: (نفس، عقل، قلب)، ولذلك كان الهبوط من سماء العقل إلى سماء النفس، وكما قال الله سبحانه في الحديث القدسي: «لا سماء ولا أرض تسعني، ولا يسعني إلا قلب عبدي المؤمن، لأن قلب عبدي المؤمن حرمي، وحرام على حرمي أن يسكنه غيري»، فالنطق هو لحاجة الخلق إليه ولم يكن النطق إلا من صورة لقول السائل للعالم: «كيف صارت له صورة؟ قال: لحاجتهم إليها؛ كحاجتهم إلى الكلام، لأنه لا كلام إلا من صورة».




