وَإنَّ هٰذِهِ الصُّوَرَ وَالصِّفَاتِ وَالأَسْمَاءَ مُضَافَةٌ إِلَى الخَلْقِ لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا، وَإنَّ القُدْرَةَ مُضَافَةٌ إِلَى القَادِرِ، ثُمَّ إِنَّ المُضِيْفَ أَعْظَمُ مِنَ المُضَافِ؛ لِأَنَّ المُضِيفَ هُوَ القَادِرُ، وَالمُضَافُ هِيَ القُدْرَةُ، وَأَعْظَمُ مِنَ القُدْرَةِ القَادِرُ الَّذِي لَا يَقَعُ عَلَيْهِ لَا صُورَةٌ وَلَا مِثَالٌ وَلَا صِفَةٌ تَعَالَى اللّٰهُ عَنْ حَدِّ التَّشْبِيهِ وَحَدِّ التَّعْطِيلِ، فَالتَّشْبِيهُ أَنْ تُشَبِّهَهُ بِخَلْقِهِ، وَالتَّعْطِيلُ أَنْ تُعَطِّلَ حِكْمَتَهُ وَوُجُودَهُ كَمِثْلِ خَلْقِهِ.
لِقَوْلِ مَوْلَانَا أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ -عَزَّ عَزُّهُ- فِي دُعَائِهِ: «لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ وَلَا يَفْقِدُهُ زَمَانٌ»، وَالنَّطْقُ وَالصَّمْتُ هُمَا صِفَتَانِ عَجْزٌ وَمُعْجِزٌ، فَلِذٰلِكَ قَالَ: «فَانْفِ عَنِّي الصِّفَةَ» لِأَنَّهُ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ مِنْ ذٰلِكَ كُلِّهِ.
وَكُلُّ الَّذِي أَوْرَاهُ لَنَا فِي عَالَمِ الشَّهَادَةِ لَهُ مِثَالٌ فِي عَالَمِ الغَيْبِ مِنْ عَجْزٍ وَمُعْجِزٍ، وَصَمْتٍ وَنَطْقٍ، وَغَيْبَةٍ وَحُضُورٍ، وَزِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ، وَإِشْرَاقٍ وَإِغْرَابٍ، وَزْنٍ بِوَزْنٍ مِثْلِ كَفَّتَيِ المِيزَانِ، وَلَا يَجُوزُ تَرْجِيحُ وَاحِدَةٍ عَلَى الأُخْرَى، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُواْ ٱلۡمِيزَانَ﴾(1)، فَكَمَا يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْ صِفَةِ العَجْزِ وَالمُعْجِزِ فِي الصُّورَةِ البَشَرِيَّةِ، يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْ
وإن هذه الصور والصفات والأسماء مضافة إلى الخلق لحاجتهم إليها، وإن القدرة مضافة إلى القادر، ثم إن المضيف أعظم من المضاف؛ لأن المضيف هو القادر، والمضاف هي القدرة، وأعظم من القدرة القادر الذي لا يقع عليه لا صورة ولا مثال ولا صفة تعالى الله عن حد التشبيه وحد التعطيل، فالتشبيه أن تشبهه بخلقه، والتعطيل أن تعطل حكمته ووجوده كمثل خلقه.
لقول مولانا أمير المؤمنين -عز عزه- في دعائه: «لا يخلو منه مكان ولا يفقده زمان»، والنطق والصمت هما صفتان عجز ومعجز، فلذلك قال: «فانف عني الصفة» لأنه أعظم وأجل من ذلك كله.
وكل الذي أوراه لنا في عالم الشهادة له مثال في عالم الغيب من عجز ومعجز، وصمت ونطق، وغيبة وحضور، وزيادة ونقصان، وإشراق وإغراب، وزن بوزن مثل كفتي الميزان، ولا يجوز ترجيح واحدة على الأخرى، لقوله تعالى: ﴿وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان﴾(1)، فكما يجب تنزيهه عن صفة العجز والمعجز في الصورة البشرية، يجب تنزيهه عن




