مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

رُؤْيَةٌ فِيْ التَّوْحِيْدِ - حَبِيبُ عَبْدُ الله غَانِمٌ

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 116 من 169

وَهُوَ سُبْحَانَهُ ظَاهِرٌ فِي بُطُونِهِ، بَاطِنٌ فِي ظُهُورِهِ، وَذٰلِكَ الَّذِي نَرَاهُ هُوَ البَاطِنُ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَغَيْرُهُ لَيْسَ ظَاهِرُهُ هُوَ بَاطِنَهُ وَلَا بَاطِنُهُ هُوَ ظَاهِرَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ مِنْ نَوْعَيْنِ سِوَى الحَقِّ تَعَالَى، فَظَاهِرُ المَخْلُوقِ لَا يُدْرِكُ بَاطِنَهُ وَلَا يُحِيطُ بِهِ وَلَا يَعْلَمُ قَدْرَ مَنْزِلَتِهِ مِنْ مَوْلَاهُ.

وَمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ غَيْرُ البَاطِنِ مِنْ حَيْثُ الصِّفَاتُ هُوَ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لِلأَرْبَعَةِ وَثَلَاثِينَ رَجُلًا الَّذِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ وَالحَدِيثُ بِطُولِهِ نَأْخُذُ مِنْهُ مَوْضِعَ الحَاجَةِ عَنِ المَعْنَى حَيْثُ قَالُوا: الظَّاهِرُ خِلَافُ البَاطِنِ؟ قَالَ لَهُمْ: أَجَلْ، هٰذَا هُوَ الحَقُّ لِأَنَّ الحِجَابَ خِلَافُ المَحْتَجَبِ بِهِ وَالقُدْرَةُ خِلَافُ النَّاسُوتِ.

وَهٰذَا مِمَّا يُؤَكِّدُ عَلَى أَنَّ الصِّفَةَ غَيْرُ المَوْصُوفِ، وَالنَّعْتَ غَيْرُ المَنْعُوتِ وَمَهْمَا وَصَفْتَ البَارِي بِهِ، فَاللّٰهُ فَوْقَ مَا نَقُولُ؛ لِأَنَّ الغَيْبَ هُوَ الحَدُّ المَجْهُولُ أَيْ تَجْهَلُ جَمِيعُ الخَلَائِقِ عَنْ كُنْهِ مَعْرِفَتَهُ، وَهِيَ غَيْبَةُ الصِّفَاتِ لَا غَيْبَةُ الذَّاتِ.

«وَإِذَا رَأَيْتَ النَّطْقَ فَانْفِ عَنِّي الصِّفَةَ» إِذَا رَأَيْتَ بِمَعْنَى إِذَا شَاهَدْتَ وَلَمْ تَكُنْ هٰذِهِ المُشَاهَدَةُ إِلَّا لِحَاضِرٍ مَوْجُودٍ، وَهٰذِهِ المُشَاهَدَةُ مِنْهَا ظَاهِرَةٌ وَمِنْهَا بَاطِنَةٌ؛ لِأَنَّ ذٰلِكَ مِنْ حَيْثُ المَخْلُوقِ، فَالظَّاهِرُ فِي العِيَانِ، وَالبَاطِنَةُ هِيَ رُؤْيَةُ البَصِيرَةِ فِي القَلْبِ؛ لِأَنَّ القَلْبَ يَرَى مِنْ غَيْرِ عَيْنَيْنِ (يُحْيِي وَيُمِيتُ).

وهو سبحانه ظاهر في بطونه، باطن في ظهوره، وذلك الذي نراه هو الباطن وهو الظاهر، وغيره ليس ظاهره هو باطنه ولا باطنه هو ظاهره؛ لأن كل مخلوق من نوعين سوى الحق تعالى، فظاهر المخلوق لا يدرك باطنه ولا يحيط به ولا يعلم قدر منزلته من مولاه.

وما يدل على أن الظاهر غير الباطن من حيث الصفات هو ما روي عن محمد بن سنان -عليه السلام- للأربعة وثلاثين رجلا الذين دخلوا عليه والحديث بطوله نأخذ منه موضع الحاجة عن المعنى حيث قالوا: الظاهر خلاف الباطن؟ قال لهم: أجل، هذا هو الحق لأن الحجاب خلاف المحتجب به والقدرة خلاف الناسوت.

وهذا مما يؤكد على أن الصفة غير الموصوف، والنعت غير المنعوت ومهما وصفت الباري به، فالله فوق ما نقول؛ لأن الغيب هو الحد المجهول أي تجهل جميع الخلائق عن كنه معرفته، وهي غيبة الصفات لا غيبة الذات.

«وإذا رأيت النطق فانف عني الصفة» إذا رأيت بمعنى إذا شاهدت ولم تكن هذه المشاهدة إلا لحاضر موجود، وهذه المشاهدة منها ظاهرة ومنها باطنة؛ لأن ذلك من حيث المخلوق، فالظاهر في العيان، والباطنة هي رؤية البصيرة في القلب؛ لأن القلب يرى من غير عينين (يحيي ويميت).

الصفحة 116 من 169