وَالإِفْتِقَارَ مِنِّي فِي تِلْكَ الحُجُبِ الَّتِي أَظْهَرْتُهَا، فَتَكُونُ وَاقِعَةً عَلَى غَيْرِي؛ لِأَنِّي لَوْ لَمْ أَقْدِرْ أَنْ أُورِيَ ذٰلِكَ العَجْزَ عَلَى نَفْسِي لَكُنْتُ عَاجِزًا وَلَمْ أَقْدِرْ عَلَى إِظْهَارِهِ وَلٰكِنِّي أَوْرَيْتُ العَجْزَ وَإِنِّي قَادِرٌ.
وَالعَجْزُ هُوَ عِلَّةُ الخَلْقِ؛ لِأَنَّهُمْ عَاجِزُونَ أَنْ يَفْعَلُوا مِثْلَهَا، وَاللّٰهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَوْرَى عَلَى نَفْسِهِ التَّنَاسُلَ وَالوِلَادَةَ وَمَا أَشْبَهَ ذٰلِكَ، وَهُوَ يَجِلُّ عَنْ ذٰلِكَ كُلِّهِ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ.
وَأَوْرَى الضَّعْفَ وَالفَقْرَ وَالفَاقَةَ اِمْتِحَانًا مِنْهُ لَهُمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُ﴾(1)، وَكَانَ يُورِي اِفْتِقَارَهُ إِلَى رَسُولِ اللّٰهِ -عَزَّ عَزُّهُ- فِي سَائِرِ الظُّهُورَاتِ، وَلَهُ مِنْ إِشَارَاتِ العَجْزِ عَلَى نَفْسِهِ مَا لَا يُحْصَى وَهِيَ عِلَّتُنَا، وَمِنَ الأَمْثِلَةِ عَلَى ذٰلِكَ: بَيْعَةُ السَّقِيفَةِ وَأَخْذُهُمُ البَيْعَةَ غَصْبًا فِي الأَمْرِ الظَّاهِرِ، حَيْثُ مَنَعُوهُ مِنَ الخِلَافَةِ، وَكَذٰلِكَ حَرْبُهُ مَعَ مُعَاوِيَةَ بَعْدَ غَيْبَةِ رَسُولِ اللّٰهِ، وَمَوْقِعَةُ الجَمَلِ وَحَرْبُهُ لِعَائِشَةَ لَعَنَهُمُ اللّٰهُ لِأَهْلِ الكُفْرِ وَالجُحُودِ وَالإِنْكَارِ، وَغَيْبَتُهُ عَلَى يَدِ عَبْدِ الرَّحْمٰنِ بْنِ مُلْجَمٍ، كُلُّ ذٰلِكَ عِلَّةٌ فِي عُيُونِ النَّاظِرِينَ، وَهِيَ غَيْرُهُ فِي جَمِيعِ الظُّهُورَاتِ، وَذٰلِكَ العَجْزُ هُوَ عِلَّةٌ وَاقِعَةٌ عَلَى غَيْرِهِ.
والإفتقار مني في تلك الحجب التي أظهرتها، فتكون واقعة على غيري؛ لأني لو لم أقدر أن أوري ذلك العجز على نفسي لكنت عاجزا ولم أقدر على إظهاره ولكني أوريت العجز وإني قادر.
والعجز هو علة الخلق؛ لأنهم عاجزون أن يفعلوا مثلها، والله سبحانه وتعالى أورى على نفسه التناسل والولادة وما أشبه ذلك، وهو يجل عن ذلك كله، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
وأورى الضعف والفقر والفاقة امتحانا منه لهم، لقوله تعالى: ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنيآء﴾(1)، وكان يوري افتقاره إلى رسول الله -عز عزه- في سائر الظهورات، وله من إشارات العجز على نفسه ما لا يحصى وهي علتنا، ومن الأمثلة على ذلك: بيعة السقيفة وأخذهم البيعة غصبا في الأمر الظاهر، حيث منعوه من الخلافة، وكذلك حربه مع معاوية بعد غيبة رسول الله، وموقعة الجمل وحربه لعائشة لعنهم الله لأهل الكفر والجحود والإنكار، وغيبته على يد عبد الرحمن بن ملجم، كل ذلك علة في عيون الناظرين، وهي غيره في جميع الظهورات، وذلك العجز هو علة واقعة على غيره.




