وَكَانَتْ تِلْكَ الغَيْبَةُ هِيَ غَيْبَةُ الذَّاتِ عَنِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ؛ لَا غَيْبَةَ الذَّاتِ، لِقَوْلِ العَالِمِ: «إِنَّ الأَسْمَاءَ حُدُوْدٌ، والصِّفَاتُ عَبِيدٌ، وَالذَّاتُ تَجِلُّ أنْ تُحَدَّ أَوْ تَتَشَبَّهُ بِصِفَاتِ الخَلْقِ الَّذِينَ هُمْ عَبِيدٌ لَهَا».
وَعِنْدَ أَهْلِ التَّوْحِيدِ هُوَ اِسْتِيلَاءُ كَوْنٍ عَلَى كَوْنٍ فِي الوَجْهِ النَّورِيِّ، ومنْ وَجْهِ القَتْلِ هُنَا هُوَ اِسْتِيلَاءُ القُوَى الرُّوحَانِيَّةِ المَحْمُودَةِ المَجَرَّدَةِ عَلَى القُوَى النَّفْسَانِيَّةِ، وَطَرْدُهَا وَإِبْعَادُهَا عَنْهَا، وَتَبْقَى النَّفْسُ المَحْمُودَةُ قَائِمَةً بِجَمِيعِ قُوَاهَا البَاطِنَةِ مَجَرَّدَةً عَنِ الكَثَافَةِ الحِسِّيَّةِ؛ لأَنَّ المُؤْمِنَ كُلَّمَا صَفَا مِنَ الحُجُبِ وَهِيَ مَوَاصِلُ التَّرْقِيَةِ لَهُ، ضَعُفَ مِزَاجُهُ، وَلَمْ يَضْعُفْ ذٰلِكَ المِزَاجُ إِلَّا بِالعِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ وَالعَمَلِ بِهِمَا.
لِقَوْلِ العَالِمِ -عَزَّ عَزُّهُ- : «عَالِمٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى إِبْلِيسَ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ» لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ﴾(1)، أَيْ العُلَمَاءُ يَخْشَوْنَهُ.
وَقَالَ العَالِمُ -عَزَّ عَزُّهُ- أَيْضًا: «الصَّعْبُ هُوَ الإِقْرَارُ بِالصُّورَةِ وَالمُسْتَصْعَبُ هُوَ إِفْرَادُ المَعْنَى عَنِ الصُّورَةِ».
وكانت تلك الغيبة هي غيبة الذات عن الأسماء والصفات؛ لا غيبة الذات، لقول العالم: «إن الأسماء حدود، والصفات عبيد، والذات تجل أن تحد أو تتشبه بصفات الخلق الذين هم عبيد لها».
وعند أهل التوحيد هو استيلاء كون على كون في الوجه النوري، ومن وجه القتل هنا هو استيلاء القوى الروحانية المحمودة المجردة على القوى النفسانية، وطردها وإبعادها عنها، وتبقى النفس المحمودة قائمة بجميع قواها الباطنة مجردة عن الكثافة الحسية؛ لأن المؤمن كلما صفا من الحجب وهي مواصل الترقية له، ضعف مزاجه، ولم يضعف ذلك المزاج إلا بالعلم والمعرفة والعمل بهما.
لقول العالم -عز عزه- : «عالم واحد أشد على إبليس من ألف عابد» لقوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلمؤا﴾(1)، أي العلماء يخشونه.
وقال العالم -عز عزه- أيضا: «الصعب هو الإقرار بالصورة والمستصعب هو إفراد المعنى عن الصورة».




