مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

رُؤْيَةٌ فِيْ التَّوْحِيْدِ - حَبِيبُ عَبْدُ الله غَانِمٌ

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 108 من 169

بِتَوْحِيدِ مَوْلَاهُمْ -عَزَّ عَزُّهُ- ، وَاللَّعْنُ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَوْلَاهُمْ هُوَ التَّسَتُّرُ وَالتَّحَجُّبُ عَلَى الحَقِيقَةِ المُطْلَقَةِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

وَلَمَّا لَعَنَ مَوْلَانَا الصَّادِقُ أَبَا الخَطَّابِ فَكَانَتْ مِنْهُ رَحْمَةً، وَقَالَ لأَهْلِ خَاصَّتِهِ: «لَا تَلْعَنُوا بِلَعْنِنَا، لَرُبَّمَا كَانَتْ لَعْنَتُنَا عَلَيْهِ رَحْمَةً»، وَالإِشَارَةُ بِهٰذَا القَوْلِ إِلَى أَبِي الخَطَّابِ، حَيْثُ بَعَثَ الخَادِمَ إِلَى أَبِي الخَطَّابِ وَقَالَ لَهُ: «قُلْ لَهُ: أَنْتَ تَأْوِيلُ السَّفِينَةِ الَّتِي خَرَقَهَا العَالِمُ فِي البَحْرِ مَعَ مُوسَى -عَزَّ عَزُّهُ- ».

وَفِي البَاطِنِ هٰذِهِ اللَّعْنَةُ هِيَ صِفَةُ العَجْزِ وَإِظْهَارُ القُدْرَةِ مِنْ ذٰلِكَ العَجْزِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى إِعَاقَةِ إِظْهَارِهِ إِلَّا اللّٰهُ، وَقَوْلُهُ: «أَيُّكُم يَتَحَمَّلُ فَيَّ اللَّعْنَ» يَعْنِي: أَيُّكُمْ يَتَحَمَّلُ الإِمْتِحَانَ وَالعَجْزَ وَالشِّدَّةَ فِي ذٰلِكَ الحِجَابِ البَشَرِيِّ الَّذِي ضَلَّ فِيهِ مَنْ ضَلَّ مِنْ أَهْلِ الجُحُودِ وَالإِنْكَارِ، فَكَانَتِ الإِرَادَةُ مِنْهُ لِسَيِّدِنَا عَبْدِ الرَّحْمٰنِ بْنِ مُلْجَمٍ وَقَالَ: «لَقَدْ فُزْتُ فِيهَا وَرَبِّ الكَعْبَةِ»، أَيْ: بِمَعْنَى لَقَدِ امْتُحِنْتُ بِالعَجْزِ فَأَجَبْتُ بِالعَجْزِ وَالمُعْجِزِ، عَلَى أَنَّهُمَا بِالحَقِيقَةِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، لأَنَّ الَّذِي أَوْرَى العَجْزَ هُوَ الَّذِي أَوْرَى المُعْجِزَ، وَاللّٰهُ سُبْحَانَهُ يَجْلُّ عَنِ العَجْزِ وَالمُعْجِزِ، وَكَانَ فَوْزُهُ هُوَ تَوَلِّيَةُ مَوْلَاهُ لَهُ وَلِيَّ المَرَاتِبِ السُّفْلِيَّةِ، وَقَالَ سَيِّدُنَا ابْنُ شُعْبَةَ فِي رِسَالَةِ "اِخْتِلَافِ العَالَمَيْنِ" عَنِ العَالِمِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمٰنِ ابْنِ مُلْجَمٍ فَقَالَ: «هُوَ الوَلِيُّ».

بتوحيد مولاهم -عز عزه- ، واللعن الذي وقع عليهم من مولاهم هو التستر والتحجب على الحقيقة المطلقة لله سبحانه وتعالى.

ولما لعن مولانا الصادق أبا الخطاب فكانت منه رحمة، وقال لأهل خاصته: «لا تلعنوا بلعننا، لربما كانت لعنتنا عليه رحمة»، والإشارة بهذا القول إلى أبي الخطاب، حيث بعث الخادم إلى أبي الخطاب وقال له: «قل له: أنت تأويل السفينة التي خرقها العالم في البحر مع موسى -عز عزه- ».

وفي الباطن هذه اللعنة هي صفة العجز وإظهار القدرة من ذلك العجز الذي لا يقدر على إعاقة إظهاره إلا الله، وقوله: «أيكم يتحمل في اللعن» يعني: أيكم يتحمل الإمتحان والعجز والشدة في ذلك الحجاب البشري الذي ضل فيه من ضل من أهل الجحود والإنكار، فكانت الإرادة منه لسيدنا عبد الرحمن بن ملجم وقال: «لقد فزت فيها ورب الكعبة»، أي: بمعنى لقد امتحنت بالعجز فأجبت بالعجز والمعجز، على أنهما بالحقيقة شيء واحد، لأن الذي أورى العجز هو الذي أورى المعجز، والله سبحانه يجل عن العجز والمعجز، وكان فوزه هو تولية مولاه له ولي المراتب السفلية، وقال سيدنا ابن شعبة في رسالة "اختلاف العالمين" عن العالم أنه سئل عن عبد الرحمن ابن ملجم فقال: «هو الولي».

الصفحة 108 من 169