مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

رُؤْيَةٌ فِيْ التَّوْحِيْدِ - حَبِيبُ عَبْدُ الله غَانِمٌ

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 105 من 169

وَلَا المَتَجَلِّي بِهَا وَهِيَ لآدَمَ وَلَيْسَتْ لَكَ، فَسَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ الظِّلْمِيَّةُ وَهِيَ المُسُوخِيَّةُ الَّتِي هِيَ أَصْلُهُ؛ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ، أَيْ جَحَدَ حَقِيقَتَهُ فِي الصُّورَةِ وَلَمْ تُكْسَ الصُّورَةُ الإِنْسَانِيَّةُ إِلَّا نَظْرَةُ آدَمَ -عَزَّ عَزُّهُ- فِي الأَرْضِ، وَالعِلَّةُ فِي النَّاظِرِ لَا فِي المَنْظُورِ، وَلَمَّا نَظَرَ قَابِيلُ لَعَنَهُ اللّٰهُ إِلَى صُورَةِ مَوْلَانَا هَابِيلَ، إِنَّمَا رَأَى نَفْسَهُ المُظْلِمَةُ؛ لأَنَّ صُورَةَ هَابِيلَ مِرْآةٌ مِنْ حَيْثِ الإِثْبَاتِ أَمَّا منْ، حَيْثِ التَّجْرِيدِ فَلَيْسَ لَهُ صُورَةٌ.

فَعِنْدَمَا نَظَرَ فِي المِرْآةِ رَأَى نَفْسَهُ فَمَدَّ يَدَهُ فَقَتَلَهَا وَعَادَ يَحْمِلُهَا عَلَى كَتِفَيْهِ، أَيْ عَادَ يَحْمِلُ أَوْزَارًا مَعَ أَوْزَارِهِ، وَالقَتْلُ هُوَ الجُحُودُ وَالإِنْكَارُ لِتِلْكَ الصُّورَةِ الحَقّيَّةِ الَّذِي لَمْ يَحْمِلْهَا؛ أَيْ لَمْ يَحْمِلْ صِفَاتِهَا وَإِنَّمَا قَتْلُهُ كَانَ وَاقِعًا بِالصُّورَةِ الحِسِّيَّةِ الَّتِي هِيَ مِنْ كَوْنِهِ، فَمِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَانَ القَاتِلُ فِي أَوَّلِ قُبَّةٍ ذَمًّا لإِنْكَارِهِ وَجُحُودِهِ لِتِلْكَ الحُجُبِ الَّتِي رَآهَا وَلَمْ يُثْبِتْهَا؛ لأَنَّهُ لَا يَتِمُّ الإِقْرَارُ إِلَّا بِالإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ، لأَنَّ مَنْ أَثْبَتَ وَلَمْ يَنْفِ فَقَدْ شَبَّهَ وَجَسَّدَ، وَمَنْ نَفَى قَبْلَ أَنْ يُثْبِتَ فَقَدْ جَحَدَ وَعَطَّلَ.

وَقَوْلُ العَالِمِ لِلِسَّائِلِ عَنْ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللّٰهُ: «وَاللّٰهِ مَا أَنْكَرَ غَيْرَ الصُّورَةِ وَلَا جَحَدَ إِلَّا مَعْنَاهَا».

ولا المتجلي بها وهي لآدم وليست لك، فسولت له نفسه الظلمية وهي المسوخية التي هي أصله؛ قتل أخيه فقتله، أي جحد حقيقته في الصورة ولم تكس الصورة الإنسانية إلا نظرة آدم -عز عزه- في الأرض، والعلة في الناظر لا في المنظور، ولما نظر قابيل لعنه الله إلى صورة مولانا هابيل، إنما رأى نفسه المظلمة؛ لأن صورة هابيل مرآة من حيث الإثبات أما من، حيث التجريد فليس له صورة.

فعندما نظر في المرآة رأى نفسه فمد يده فقتلها وعاد يحملها على كتفيه، أي عاد يحمل أوزارا مع أوزاره، والقتل هو الجحود والإنكار لتلك الصورة الحقية الذي لم يحملها؛ أي لم يحمل صفاتها وإنما قتله كان واقعا بالصورة الحسية التي هي من كونه، فمن أجل ذلك كان القاتل في أول قبة ذما لإنكاره وجحوده لتلك الحجب التي رآها ولم يثبتها؛ لأنه لا يتم الإقرار إلا بالإثبات والنفي، لأن من أثبت ولم ينف فقد شبه وجسد، ومن نفى قبل أن يثبت فقد جحد وعطل.

وقول العالم للسائل عن إبليس لعنه الله: «والله ما أنكر غير الصورة ولا جحد إلا معناها».

الصفحة 105 من 169