وَهُمْ فِي الحَقِيقَةِ لِمَنْ تُمَعَّنِ الخَبَرَ الأَرْبَعَةَ عَشَرَ حِجَابًا لِلْمُؤْمِنِ رَمْزًا وَأَمَّا أَبْدَانُ الكَافِرِينَ هِيَ الخَاءَاتُ الخَمْسُ وَالدَّبِيبُ وَالقَشَاشُ الَّتِي يَكُرُّ فِيهَا الكَافِرُ فِي المُسُوخِيَّةِ، وَلَوْ كَانَ هُوَ فِي البَشَرِيَّةِ فَهُمْ مُسُوخٌ فِي الحَقِيقَةِ، وَأَنَّ المُؤْمِنِينَ آدَمِيُّوا الهَيَاكِلِ نُورَانِيُّوا الأَرْوَاحِ، وَالكَافِرُونَ آدَمِيُّوا الهَيَاكِلِ شَيْطَانِيُّوا الأَرْوَاحِ.
وَأَمَّا إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللّٰهُ عِنْدَمَا رَأَى الحَقَّ سُبْحَانَهُ بِتِلْكَ الصُّورَةِ الَّتِي آنَسَ خَلْقَهُ بِهَا، رَآهَا مِنَ حَيْثِهِ الظِّلمِيِّ، وَلَمَّا أَوْرَتِ العَجْزُ وَأَوْرَى البَارِي مِنْ ذٰلِكَ العَجْزِ العِلْمَ وَالقُدْرَةَ، فَنَسَبَهُمُ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللّٰهُ إِلَى السِّحْرِ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِرَبِّهِ وَالجَهْلِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ مِنْ قَبْلُ عِلَّةُ الشَّرِّ وَالنَّارِ الَّذِي أَصْلُهُ مِنْهَا.
وَعِنْدَمَا جَرَّدَنَا البَارِي عَنْ ذٰلِكَ كُلِّهِ وَهُوَ مُجَرَّدٌ، وَقُلْنَا: هٰذَا وَاقِعٌ عَلَى عَالَمِنَا أَي صِفَاتُ العَجْزِ وَالمَعْجِزِ مِنْ حَيْثُ الخَلْقُ، وَعَالَمُ النُّورِ المُجَرَّدِ لَا يَرَوْنَ بَارِئَهُمْ إِلَّا بِصِفَاتِ الكَمَالِ المُطْلَقِ.
وَإِنَّ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللّٰهُ خُلِقَ مِنْ ذُنُوبِ المُؤْمِنِينَ، تَحَيَّرَ كَيْفَ خُلِقَ وَكَيْفَ نَشَأَ، فَلَمْ يَعْرِفْ ذٰلِكَ حَتَّى قَالَتْ لَهُ الأَنْفُسُ المَحْمُودَةُ: إِنَّكَ خُلِقْتَ مِنْ مَعْصِيَتِنَا، وَلَمَّا أُمِرَ بِالطَّاعَةِ لَهَا فَتَكَبَّرَ عَلَيْهَا وَعَصَى، فَخَلَقَ اللّٰهُ مِنْ تِلْكَ المَعْصِيَةِ أَرْوَاحَ الأَبَالِسَةِ وَالشَّيَاطِينِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُوا۟ لَِٔادَمَ
وهم في الحقيقة لمن تمعن الخبر الأربعة عشر حجابا للمؤمن رمزا وأما أبدان الكافرين هي الخاءات الخمس والدبيب والقشاش التي يكر فيها الكافر في المسوخية، ولو كان هو في البشرية فهم مسوخ في الحقيقة، وأن المؤمنين آدميوا الهياكل نورانيوا الأرواح، والكافرون آدميوا الهياكل شيطانيوا الأرواح.
وأما إبليس لعنه الله عندما رأى الحق سبحانه بتلك الصورة التي آنس خلقه بها، رآها من حيثه الظلمي، ولما أورت العجز وأورى الباري من ذلك العجز العلم والقدرة، فنسبهم إبليس لعنه الله إلى السحر لعدم معرفته بربه والجهل الذي وقع فيه من قبل علة الشر والنار الذي أصله منها.
وعندما جردنا الباري عن ذلك كله وهو مجرد، وقلنا: هذا واقع على عالمنا أي صفات العجز والمعجز من حيث الخلق، وعالم النور المجرد لا يرون بارئهم إلا بصفات الكمال المطلق.
وإن إبليس لعنه الله خلق من ذنوب المؤمنين، تحير كيف خلق وكيف نشأ، فلم يعرف ذلك حتى قالت له الأنفس المحمودة: إنك خلقت من معصيتنا، ولما أمر بالطاعة لها فتكبر عليها وعصى، فخلق الله من تلك المعصية أرواح الأبالسة والشياطين، لقوله تعالى: ﴿وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لٔادم




