لا ، بل ظاهر الآيات أن الحسنة تظهر ثقلا في
الميزان والسيئة خفة فيه ، كما هو ظاهر قوله :
* ( فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن
خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم
بما كانوا بآياتنا يظلمون ) * ، ونظيره قوله تعالى :
* ( فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون *
ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم
في جهنم خالدون ) * ( 1 ) ، وقوله تعالى : * ( فأما من
ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية * وأما من
خفت موازينه * فأمه هاوية * وما أدراك ماهية
* نار حامية ) * ( 2 ) ، فالآيات - كما ترى - تثبت
الثقل في جانب الحسنات دائما والخفة في جانب
السيئات دائما .
ومن هناك يتأيد في النظر أن هناك أمرا
آخر تقايس به الأعمال والثقل له ، فما كان
منها حسنة انطبق عليه ووزن به وهو ثقل الميزان ،
وما كان منها سيئة لم ينطبق عليه ولم يوزن به
وهو خفة الميزان ، كما نشاهده فيما عندنا من
الموازين ، فإن فيها مقياسا - وهو الواحد من
الثقل كالمثقال - يوضع في إحدى الكفتين ، ثم
يوضع المتاع في الكفة الأخرى ، فإن عادل
المثقال وزنا بوجه على ما يدل عليه الميزان
أخذ به وإلا فهو الترك لا محالة ، والمثقال في
الحقيقة هو الميزان الذي يوزن به ، وأما القبان
وذو الكفتين ونظائرهما فهي مقدمة لما يبينه
المثقال من حال المتاع الموزون به ثقلا وخفة ،
كما أن واحد الطول - وهو الذراع أو المتر
مثلا - ميزان يوزن به الأطوال فإن انطبق الطول
على الواحد المقياس فهو وإلا ترك .
ففي الأعمال واحد مقياس توزن به ،
فللصلاة مثلا ميزان توزن به ، وهي الصلاة
التامة التي هي حق الصلاة ، وللزكاة والإنفاق
نظير ذلك ، وللكلام والقول حق القول الذي
لا يشتمل على باطل . . . وهكذا ، كما يشير إليه
قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله
حق تقاته ) * ( 3 ) .
فالأقرب بالنظر إلى هذا البيان أن يكون
المراد بقوله : * ( والوزن يومئذ الحق ) * أن
الوزن الذي يوزن به الأعمال يومئذ إنما
هو الحق ، فبقدر اشتمال العمل على الحق يكون
اعتباره وقيمته ، والحسنات مشتملة على الحق
فلها ثقل ، كما أن السيئات ليست إلا
باطلة فلا ثقل لها ، فالله سبحانه يزن الأعمال
يومئذ بالحق ، فما اشتمل عليه العمل من
الحق فهو وزنه وثقله ( 4 ) .
- الإمام الصادق ( عليه السلام ) - وقد سأله زنديق عن
توزين الأعمال - : لا ، إن الأعمال ليست
بأجسام ، وإنما هي صفة ما عملوا ، وإنما
يحتاج إلى وزن الشئ من جهل عدد الأشياء
ولا يعرف ثقلها وخفتها ، وإن الله لا يخفى
عليه شئ .
قال : فما معنى الميزان ؟ قال ( عليه السلام ) : العدل .
____________________
( 1 ) المؤمنون : 102 ، 103 .
( 2 ) القارعة : 6 - 11 .
( 3 ) آل عمران : 102 .
( 4 ) الميزان : 8 / 10 ، انظر تمام كلامه رضوان الله تعالى عليه .




