من القذى ( 1 ) ، ولا يبالي أن يبلغ أمثال الفيلة
من الحرام ! ألم تسمعوا أنه قيل لكم في
التوراة : صلوا أرحامكم ، وكافؤوا أرحامكم ؟
وأنا أقول لكم : صلوا من قطعكم ، وأعطوا من
منعكم ، وأحسنوا إلى من أساء إليكم ، وسلموا
على من سبكم ، وأنصفوا من خاصمكم ، واعفوا
عمن ظلمكم ، كما أنكم تحبون أن يعفى عن
إساءتكم فاعتبروا بعفو الله عنكم ، ألا ترون أن
شمسه أشرقت على الأبرار والفجار منكم ، وأن
مطره ينزل على الصالحين والخاطئين منكم ؟ فإن
كنتم لا تحبون إلا من أحبكم ولا تحسنون إلا إلى
من أحسن إليكم ولا تكافئون إلا من أعطاكم فما
فضلكم إذا على غيركم ؟ قد يصنع هذا السفهاء
الذين ليست عندهم فضول ولا لهم أحلام ، ولكن
إن أردتم أن تكونوا أحباء الله وأصفياء الله
فأحسنوا إلى من أساء إليكم ، واعفوا عمن
ظلمكم ، وسلموا على من أعرض عنكم ، اسمعوا
قولي ، واحفظوا وصيتي ، وارعوا عهدي كيما
تكونوا علماء فقهاء ( 2 ) .
- بحق أقول لكم : إن قلوبكم بحيث تكون
كنوزكم ، لذلك الناس يحبون أموالهم وتتوق ( 3 )
إليها أنفسهم ، فضعوا كنوزكم في السماء حيث
لا يأكلها السوس ، ولا ينالها اللصوص ( 4 ) .
- عنه ( عليه السلام ) : بحق أقول لكم : إن العبد
لا يقدر على أن يخدم ربين ، ولا محالة أنه
يؤثر أحدهما على الآخر وإن جهد ، كذلك
لا يجتمع لكم حب الله وحب الدنيا ( 5 ) .
- عنه ( عليه السلام ) : بحق أقول لكم : إن شر الناس
لرجل عالم آثر دنياه على علمه ، فأحبها وطلبها
وجهد عليها ، حتى لو استطاع أن يجعل الناس في
حيرة لفعل ، وماذا يغني عن الأعمى سعة نور
الشمس وهو لا يبصرها ؟ كذلك لا يغني عن العالم
علمه إذ هو لم يعمل به ، ما أكثر ثمار الشجر
وليس كلها ينفع ويؤكل ، وما أكثر العلماء وليس
كلهم ينتفع بما علم ! وما أوسع الأرض وليس كلها
تسكن ! وما أكثر المتكلمين وليس كل كلامهم
يصدق ! فاحتفظوا من العلماء الكذبة الذين عليهم
ثياب الصوف ، منكسي رؤوسهم إلى الأرض ،
يزورون ( 6 ) به الخطايا ، يرمقون من تحت
حواجبهم كما ترمق الذئاب ، وقولهم يخالف
فعلهم ، وهل يجتني من العوسج العنب ؟ ومن
الحنظل التين ؟ وكذلك لا يؤثر قول العالم الكاذب
إلا زورا ، وليس كل من يقول يصدق ( 7 ) .
- عنه ( عليه السلام ) : بحق أقول لكم : إن الزرع ينبت في
السهل ولا ينبت في الصفا ، وكذلك الحكمة تعمر
في قلب المتواضع ولا تعمر في قلب المتكبر
الجبار ، ألم تعلموا أنه من شمخ برأسه ( 8 ) إلى
السقف شجه ، ومن خفض برأسه عنه استظل
____________________
( 1 ) القذى : ما يقع في العين أو الشراب من تبنة ونحوها . كما في
هامش البحار : 14 / 306 .
( 2 ) تحف العقول : 503 .
( 3 ) تاق إليه : اشتاق وأسرع . كما في هامش تحف العقول .
( 4 ) تحف العقول : 503 .
( 5 ) تحف العقول : 503 .
( 6 ) زور : من الكلام ، وزور الشئ : حسنه وقومه . كما في هامش
البحار : 14 / 307 .
( 7 ) تحف العقول : 503 .
( 8 ) شمخ برأسه : رفعه . كما في هامش البحار : 14 / 307 .




