مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 10 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 37 من 328

نزول العذاب ومجئ الطوفان :

حتى إذا تمت صنعة الفلك وجاء أمر الله وفار

التنور أوحى الله تعالى إليه أن يحمل في السفينة

من كل من الحيوان زوجين اثنين ، وأن يحمل

أهله إلا من سبق عليه القول الإلهي بالغرق وهو

امرأته الخائنة وابنه الذي تخلف عن ركوب

السفينة ، وأن يحمل الذين آمنوا ( سورتا هود

والمؤمنون ) ، فلما حملهم وركبوا جميعا فتح الله

أبواب السماء بماء منهمر وفجر الأرض عيونا

فالتقى الماء على أمر قد قدر ( سورة القمر ) وعلا

الماء وارتفعت السفينة عليه وهي تسير في موج

كالجبال ( سورة هود ) فأخذ الناس الطوفان وهم

ظالمون ، وقد أمره الله تعالى إذا استوى هو ومن

معه على الفلك أن يحمد الله على ما نجاه من

القوم الظالمين وأن يسأله البركة في نزوله فيقول :

الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين ، ويقول :

رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين .

قضاء الأمر ونزوله ومن معه إلى الأرض :

فلما عم الطوفان وأغرق الناس ( كما يظهر

من سورة الصافات آية 77 ) أمر الله الأرض أن

تبلع ماءها والسماء أن تقلع وغيض الماء

واستوت السفينة على جبل الجودي وقيل : بعدا

للقوم الظالمين ، وأوحي إلى نوح ( عليه السلام ) أن اهبط

إلى الأرض بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم

ممن معك فلا يأخذهم بعد هذا طوفان عام ،

ومنهم أمم سيمتعهم الله بأمتعة الحياة ثم

يمسهم عذاب أليم ، فخرج هو ومن معه ونزلوا

الأرض يعبدون الله بالتوحيد والإسلام ، وتوارثت

ذريته ( عليه السلام ) الأرض وجعل الله ذريته هم الباقين

( سورتا هود والصافات ) .

قصة ابن نوح الغريق :

كان نوح ( عليه السلام ) عندما ركب السفينة لم يركبها

واحد من أبنائه ، وكان لا يصدق أباه في أن من

تخلف عنها فهو غريق لا محالة ، فرآه أبوه وهو

في معزل فناداه : يا بني اركب معنا ولا تكن مع

الكافرين ، فرد على أبيه قائلا : سآوي إلى جبل

يعصمني من الماء ، قال نوح ( عليه السلام ) : لا عاصم اليوم

من الله إلا من رحم - يريد أهل السفينة - فلم

يلتفت الابن إلى قوله وحال بينهما الموج فكان

من المغرقين .

ولم يكن نوح ( عليه السلام ) يعلم منه إبطان الكفر كما

كان يعلم ذلك من امرأته ، ولو كان علم ذلك لم

يحزنه أمره وهو القائل في دعائه : * ( رب لا تذر

على الأرض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم

يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ) * ( 1 )

الدعاء ، وهو القائل : * ( فافتح بيني وبينهم فتحا

ونجني ومن معي من المؤمنين ) * ( 2 ) وقد سمع قوله

تعالى فيما أوحى إليه : * ( ولا تخاطبني في الذين

ظلموا إنهم مغرقون ) * ( 3 ) .

فوجد نوح ( عليه السلام ) وحزن فنادى ربه من وجده

قائلا : رب إن ابني من أهلي وإن وعدك

الحق وعدتني بإنجاء أهلي وأنت أحكم

الحاكمين لا تجور في حكمك ولا تجهل في

____________________

( 1 ) نوح : 27 .

( 2 ) الشعراء : 118 .

( 3 ) هود : 37 .

الصفحة 37 من 328