مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 10 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 194 من 328

[ 3853 ]

مناجاة الإمام علي ( عليه السلام )

- عروة بن الزبير : كنا جلوسا في مسجد

النبي ( صلى الله عليه وآله ) فتذاكرنا أحوال أهل بدر وبيعة

الرضوان ، فقال أبو الدرداء : يا قوم ألا

أخبركم بأقل القوم مالا ، وأكثرهم ورعا ،

وأشدهم اجتهادا في العبادة ؟ قالوا : من

هو ؟ قال : علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) .

قال : فوالله إن كان في جماعة ذلك المجلس

إلا معرض عنه بوجهه ، ثم انتدب له رجل

من الأنصار يقال له : عويمر فقال : لقد تكلمت

بكلمة ما وافقك عليها أحد منذ أتيت بها .

فقال أبو الدرداء : يا قوم إني قائل ما

رأيت وليقل كل واحد منكم ما رأى ، رأيت

وشاهدت علي بن أبي طالب بسويحات بني

النجار وقد اعتزل عن مواليه واختفى ممن

يليه وقد استتر ببعيلات النخل فافتقدته وبعد

علي مكانه فقلت : لحق بمنزله ، فإذا بصوت

حزين ونغمة شجي وهو يقول : إلهي كم من موبقة

حلمت عن مقابلتها بنعمتك ، وكم من جريرة

تكرمت عن كشفها بكرمك ، إلهي إن طال في

عصيانك عمري وعظم في الصحف ذنبي فما أنا

مؤمل غير غفرانك ، ولا أنا راج غير رضوانك ،

فشغلني الصوت واقتفيت الأثر فإذا هو علي بن

أبي طالب بعينه ، فاستترت لأسمع كلامه

وأخملت الحركة فركع ركعات في جوف الليل

الغابر ، ثم فرغ إلى الدعاء والتضرع والبكاء

والبث والشكوى ، فكان مما ناجى به الله عز وجل

أن قال : اللهم إني أفكر في عفوك فتهون

علي خطيئتي ، ثم أذكر العظيم من أخذك فتعظم

علي بليتي ، ثم قال : آه إن قرأت في الصحف

سيئة أنا ناسيها وأنت محصيها فتقول : خذوه ،

فياله من مأخوذ لا تنجيه عشيرته ، ولا تنفعه

قبيلته ، ترحمه الملأ إذا أذن فيه بالنداء .

ثم قال : آه من نار تنضج الأكباد والكلى ،

آه من نار نزاعة للشوى ، آه من غمرة في ملهبات

لظى ، ثم أمعن في البكاء فلم أسمع

له حسا ولا حركة ، فقلت : غلب عليه النوم لطول

السهر أوقظه لصلاة الفجر ، قال أبو الدرداء : فأتيته

فإذا هو كالخشبة الملقاة ، فحركته فلم يتحرك

وزويته فلم ينزو ، فقلت : إنا لله وإنا إليه راجعون

مات والله علي بن أبي طالب ، فأتيت منزله مبادرا

أنعاه إليهم ، فقالت فاطمة : يا أبا الدرداء ما كان من

شأنه وقصته ؟ فأخبرتها الخبر ، فقالت : هي والله يا

أبا الدرداء الغشية التي تأخذه من خشية الله

تعالى ، ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه فأفاق

ونظر إلي وأنا أبكي فقال : ما بكاؤك يا أبا الدرداء ؟

فقلت : مما أراه تنزله بنفسك ، فقال : يا أبا الدرداء !

فكيف لو رأيتني وقد دعي بي إلى الحساب ،

وأيقن أهل الجرائم بالعذاب ، واحتوشتني ملائكة

غلاظ شداد وزبانية فظاظ ، وأوقفت بين يدي

الجبار ، وقد أسلمني الأحباء ورحمني أهل الدنيا

لكنت أشد رحمة لي بين يدي من لا يخفى عليه

خافية ، قال أبو الدرداء : فوالله ما رأيت ذلك لأحد

الصفحة 194 من 328