مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 10 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 120 من 328

يوم ينفع الصادقين صدقهم ) * ( 1 ) .

وهذا الكلام العجيب الذي يشتمل من

العبودية على عصارتها ، ويتضمن من بارع الأدب

على مجامعه ، يفصح عما كان يراه عيسى

المسيح ( عليه السلام ) من موقفه نفسه تلقاء ربوبية ربه ،

وتجاه الناس وأعمالهم ، فذكر أنه كان يرى نفسه

بالنسبة إلى ربه عبدا لا شأن له إلا الامتثال ، لا يرد

إلا عن أمر ، ولا يصدر إلا عن أمر ، ولم يؤمر إلا

بالدعوة إلى عبادة الله وحده ، ولم يقل لهم إلا ما

امر به : أن اعبدوا الله ربي وربكم .

ولم يكن له من الناس إلا تحمل الشهادة على

أعمالهم فحسب ، وأما ما يفعله الله فيهم وبهم يوم

يرجعون إليه فلا شأن له في ذلك ، غفر أو عذب .

فإن قلت : فما معنى ما تقدم في الكلام على

الشفاعة : أن عيسى ( عليه السلام ) من الشفعاء يوم القيامة

يشفع فيشفع ؟

قلت : القرآن صريح أو كالصريح في ذلك ،

قال تعالى : * ( ولا يملك الذين يدعون من دونه

الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ) * ( 2 ) ، وقد

قال تعالى فيه : * ( ويوم القيامة يكون عليهم

شهيدا ) * ( 3 ) ، وقال تعالى : * ( وإذ علمتك الكتاب

والحكمة والتوراة والإنجيل ) * ( 4 ) ، وقد تقدم إشباع

الكلام في معنى الشفاعة ، وهذا غير التفدية التي

يقول بها النصارى ، وهي إبطال الجزاء بالفدية

والعوض ، فإنها تبطل السلطنة المطلقة الإلهية

على ما سيجئ من بيانه ، والآية إنما تنفي ذلك ،

وأما الشفاعة فالآية غير متعرضة لأمرها لا إثباتا

ولا نفيا ، فإنها لو كانت بصدد إثباتها - على

منافاته للمقام ( 5 ) - لكان حق الكلام أن يقال : وإن

تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم ، ولو كانت

بصدد نفيها لم يكن لذكر الشهادة على الناس

وجه ، وهذا إجمال ما سيأتي في تفسير الآيات

تفصيله إن شاء الله تعالى .

وأما ما قاله الناس في عيسى ( عليه السلام ) ، فإنهم

وإن تشتتوا في مذاهبهم بعده واختلفوا

في مسالكهم بما ربما جاوز السبعين من حيث

كليات ما اختلفوا فيه ، وجزئيات المذاهب

والآراء كثيرة جدا ، لكن القرآن إنما يهتم

بما قالوا به في أمر عيسى نفسه وأمه لمساسه

بأساس التوحيد الذي هو الغرض الوحيد فيما

يدعو إليه القرآن الكريم والدين الفطري

القويم ، وأما بعض الجزئيات - كمسألة

التحريف ، ومسألة التفدية - فلم يهتم به

ذاك الاهتمام .

والذي حكاه القرآن الكريم عنهم أو نسبه

إليهم ما في قوله تعالى : * ( وقالت النصارى المسيح

ابن الله ) * ( 6 ) وما في معناه كقوله تعالى : * ( وقالوا

اتخذ الرحمن ولدا سبحانه ) * ( 7 ) ، وما في قوله

تعالى : * ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح

____________________

( 1 ) المائدة : 116 - 119 .

( 2 ) الزخرف : 86 .

( 3 ) النساء : 159 .

( 4 ) المائدة : 110 .

( 5 ) فإن المقام مقام التذلل دون الاسترسال .

( 6 ) التوبة : 30 .

( 7 ) الأنبياء : 26 .

الصفحة 120 من 328