مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 9 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 230 من 242

ولا طرفة عين ، فإنما يتزود الإنسان من مجتمعه

بأن يحرز أمورا من أوليات المادة الأرضية

ويعمل عليها ما يسعه من العمل ثم يقتني من

ذلك لنفسه ما يحتاج إليه ، ويعوض ما يزيد على

حاجته من سائر ما يحتاج إليه مما عند غيره

من أفراد المجتمع ، كالخباز يأخذ لنفسه من

الخبز ما يقتات به ويعوض الزائد عليه من الثوب

الذي نسجه النساج . . . وهكذا ، فإنما أعمال

المجتمعين في ظرف اجتماعهم بيع وشرى

ومبادلة ومعاوضة .

والذي يتحصل من الأبحاث الاقتصادية أن

الإنسان الأولي كان يعوض في معاملاته العين

بالعين من غير أن يكونوا متنبهين لأزيد من

ذلك ، غير أن النسب بين الأعيان كانت تختلف

عندهم باشتداد الحاجة وعدمه ، وبوفور الأعيان

المحتاج إليها وإعوازها ، فكلما كانت العين أمس

بحاجة الإنسان أو قل وجودها توفرت الرغبات

إلى تحصيلها ، وارتفعت نسبتها إلى غيرها ، وكلما

بعدت عن مسيس الحاجة أو ابتذلت بالكثرة

والوفور انصرفت النفوس عنها وانخفضت نسبتها

إلى غيرها ، وهذا هو أصل القيمة .

ثم إنهم عمدوا إلى بعض الأعيان العزيزة

الوجود عندهم فجعلوها أصلا في القيمة تقاس

إليه سائر الأعيان المالية بمالها من مختلف

النسب كالحنطة والبيضة والملح ، فصارت مدارا

تدور عليها المبادلات السوقية ، وهذه السليقة

دائرة بينهم في بعض المجتمعات الصغيرة في

القرى وبين القبائل البدوية حتى اليوم .

ولم يزالوا على ذلك حتى ظفروا ببعض

الفلزات كالذهب والفضة والنحاس ونحوها ،

فجعلوها أصلا إليه يعود نسب سائر الأعيان من

جهة قيمها ، ومقياسا واحدا يقاس إليها غيرها ،

فهي النقود القائمة بنفسها وغيرها يقوم بها .

ثم آل الأمر إلى أن يحوز الذهب المقام الأول

والفضة تتلوه ، ويتلوها غيرهما ، وسكت الجميع

بالسكك الملوكية أو الدولية ، فصارت دينارا

ودرهما وفلسا وغير ذلك بما يطول شرحه على

خروجه من غرض البحث .

فلم يلبث النقدان حتى عادا أصلا في القيمة

بهما يقوم كل شئ ، وإليهما يقاس ما عند الإنسان

من مال أو عمل ، وفيهما يرتكز ارتفاع كل حاجة

حيوية ، وهما ملاك الثروة والوجد كالمتعلق بهما

روح المجتمع في حياته يختل أمره باختلال

أمرهما ، إذا جريا في سوق المعاملات جرت

المعاملات بجريانهما ، وإذا وقفا وقفت .

وقد أوضحت ما عليهما من الوظيفة المحولة

إليهما في المجتمعات الإنسانية - من حفظ قيم

الأمتعة والأعمال ، وتشخيص نسب بعضها إلى

بعض - الأوراق الرسمية الدائرة اليوم فيما بين

الناس كالبوند والدولار وغيرهما والصكوك

البنجية المنتشرة فإنها تمثل قيم الأشياء من غير

أن تتضمن عينية لها قيمة في نفسها ، فهي قيم

خالصة مجردة تقريبا .

فالتأمل في مكانة الذهب والفضة الاجتماعية

- بما هما نقدان حافظان للقيم ، ومقياسان يقاس

إليهما الأمتعة والأموال بمالها من النسب الدائرة

الصفحة 230 من 242