مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 9 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 192 من 242

في الأولى والآخرة وله الحكم ) * ( 1 ) لكن تحليل

معنى هذا الملك الوضعي يكشف عن ثبوت ذلك

في الحقائق ثبوتا غير قابل للزوال والانتقال ، كما

أن الواحد منا يملك نفسه بمعنى أنه هو الحاكم

المسلط المتصرف في سمعه وبصره وسائر قواه

وأفعاله ، بحيث إن سمعه إنما يسمع وبصره إنما

يبصر بتبع إرادته وحكمه ، لابتبع إرادة غيره من

الأناسي وحكمه ، وهذا معنى حقيقي لا نشك في

تحققه فينا مثلا تحققا لا يقبل الزوال والانتقال كما

عرفت ، فالإنسان يملك قوى نفسه وأفعال نفسه

وهي جميعا تبعات وجوده قائمة به غير مستقلة

عنه ولا مستغنية عنه ، فالعين إنما تبصر بإذن من

الإنسان الذي يبصر بها ، وكذا السمع يسمع بإذن

منه ، ولولا الإنسان لم يكن بصر ولا إبصار

ولا سمع ولا استماع ، كما أن الفرد من المجتمع

إنما يتصرف فيما يتصرف فيه بإذن من الملك أو

ولي الأمر ، ولو لم تكن هذه القوة المدبرة التي

تتوحد عندها أزمة المجتمع لم يكن اجتماع ، ولو

منع عن تصرف من التصرفات الفردية لم يكن له

أن يتصرف ولا نفذ منه ذلك ، ولا شك أن هذا

المعنى بعينه موجود لله سبحانه الذي إليه تكوين

الأعيان وتدبير النظام ، فلا غنى لمخلوق عن

الخالق عز اسمه لا في نفسه ولا في توابع نفسه من

قوى وأفعال ، ولا استقلال له لا منفردا ولا في

حال اجتماعه مع سائر أجزاء الكون وارتباط

قوى العالم وامتزاج بعضها ببعض امتزاجا يكون

هذا النظام العام المشاهد .

قال تعالى : * ( قل اللهم مالك الملك ) * ( 2 ) وقال

تعالى : * ( لله ملك السماوات والأرض ) * ( 3 ) وقال

تعالى : * ( تبارك الذي بيده الملك وهو على كل

شئ قدير * الذي خلق الموت والحياة - إلى أن

قال - الذي خلق سبع سماوات طباقا ) * ( 4 )

والآيات - كما ترى - تعلل الملك بالخلق ، فكون

وجود الأشياء منه وانتساب الأشياء بوجودها

وواقعيتها إليه تعالى هو الملاك في تحقق ملكه ،

وهو بمعنى ملكه الذي لا يشاركه فيه غيره

ولا يزول عنه إلى غيره ، ولا يقبل نقلا ولا تفويضا

يغني عنه تعالى وينصب غيره مقامه .

وهذا هو الذي يفسر به معنى الملكوت في

قوله : * ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن

فيكون * فسبحان الذي بيده ملكوت كل

شئ ) * ( 5 ) فالآية الثانية تبين أن ملكوت كل شئ

هو كلمة " كن " الذي يقوله الحق سبحانه له ، وقوله

فعله ، وهو إيجاده له .

فقد تبين أن الملكوت هو وجود الأشياء من

جهة انتسابها إلى الله سبحانه وقيامها به ، وهذا أمر

لا يقبل الشركة ويختص به سبحانه وحده ،

فالربوبية التي هي الملك والتدبير لاتقبل تفويضا

ولا تمليكا انتقاليا .

ولذلك كان النظر في ملكوت الأشياء يهدي

الإنسان إلى التوحيد هداية قطعية ، كما قال

تعالى : * ( أو لم ينظروا في ملكوت السماوات

____________________

( 1 ) القصص : 70 .

( 2 ) آل عمران : 26 .

( 3 ) المائدة : 120 .

( 4 ) الملك : 1 - 3 .

( 5 ) يس : 82 ، 83 .

الصفحة 192 من 242